روايه كامله

—ولادك هيأكلوا لما الضيوف يخلصوا —قالتها نيرمين بصوت عالي ومش هاممها حد.
ثلاثة من ولادي كانوا واقفين جنة الجزامة، أطباقهم فاضية، وبيبصوا على ولاد عمهم وعمتهم وهما بياخدوا الطبق الثاني من اللحمة والخير على بعد خطوات منهم. اختي سوت المفرش قدامها بكبرياء كأنها بتظبط تاج على رأسها، وابتسمت الابتسامة الخبيثة اللي متعودة منها عليها من إحنا صغيرين.
أبويا، حاج إسماعيل، كان قاعد على رأس الترابيزة ولابس تاج كرتون عملتهوله بنتي جودي في ثلاث ليالي. حتى مبصليش، هز رأسه وقطع حتة لحمة وطنش.
في اللحظة دي فهمت إن لو فضلت، ولادي هيتعلموا إن اللقمة والتأكيل بالدور والمحسوبية.
مشيت ناحية الجزامة، أخدت جاكيت فريدة —اللي كان كبير عليها نمرتين عشان كان بتاع بنت خالتها— وجاكيت جودي اللي سوستته مكسورة، وجاكيت يوسف اللي فيه خرم في الجيب.
—إحنا مروحين نتعشى في بيتنا —قلتها بصوت عالٍ وواضح للكل—. في بيتنا محدش بيستنى إذن عشان ياكل.
محدش حاول يوقفنا.
في الجراج تحت المطعم في المهندسين، إيديا كانت بترتعش وأنا بربط حزام الأمان ليوسف. كان عنده 5 سنين ومش فاهم القسوة اللي متغطية بكلمة “تنظيم”.
—طب وتورتة جدو؟ —سألني.
—هنعمل تورتة أحلى في البيت —رديت عليه.
سوقت ساعة ونص لحد شقتنا اللي فوق محل الحدايد والبويات في شبرا. الساعة 10 بالليل، العشا كان بيض وجبنة وشاي بلبن. ولادي أكلوا مع بعض على ترابيزة صغيرة، وأنا وعدت نفسي إنهم عمرهم ما يقعدوا في مكان يتحسسوا فيه إنهم أقل من حد.
أنا اسمي مريم. عندي 32 سنة وبقالي 6 سنين بربي فريدة وجودي ويوسف لوحدي.
طليقي، مصطفى، ممشيش بخناق. اختفى بالتدريج: الأول يرجع متأخر، بعدين ميبقاش له نفس ياكل معانا، بعدين لم هدومه من الدولاب. ولما ساب ورقة بيقول فيها إن “نفسيته تعبانة ومحتاج يبعد”، كنت يلا مكتشفة إني حامل في يوسف.
راح يدوّر على نفسه في الإسكندرية مع واحدة كانت شغال معاه في الشركة.
أنا اتسحلت مع بنتين صغيرين وولد في السكة، وأقل من 4,000 جنيه في البنك.
عمراني ما طلبت جنيه من أهلي. ولا لما العربيات عطلت وكنت بركب مواصلتين كل يوم، ولا لما يوسف احتاج فحوصات على أذنه، ولا لما كنت بختار بين مصاريف الكهرباء ولا جزمة المدرسة.
أختي نيرمين اتجوزت طارق، صاحب معارض عربيات. ومن ساعتها، وأبويا وأمي بيبصولنا كأن واحدة شرفتهم والثانية بقيت العار اللي بيتهربوا منه.
ومع ذلك، لما أبويا كلمني بنفسه وعزمني أنا والعيال في عيد ميلاده الـ 70، صدقت إن في حاجة اتغيرت.
لكن مفيش حاجة اتغيرت.
بعد العزومة بـ 4 أيام، خالي سمير بعتلي “سكرين شوت” من الجروب بتاع العيلة اللي طردوني منه. نيرمين كانت كاتبين إنني ببوّظ فرحة الحج عشان “نفسيتي مريضة وبحب أعمل شو”.
لما عرفت أكلم أبويا بعد 11 يوم، اتنهد وقال بزهق:
—يا مريم، دي كانت عزومة وعدت، مش مستاهلة القلق ده كله.
قفلت السكة في وشه.
ماكنتش اعرف إن الليلة دي ماكنتش أكبر خيانة، دي كانت مجرد أول الخيط اللي هيوصلني لـ “دوسيه أصفر” كفيل يهد كل اللي نيرمين بنته.
واللي كنت على وشك أكشفه… كان صعب العقل يصدقه.
بعد العزومة دي، محدش اعتذر. كل اللي وصلني كان السكوت. إيجار الشقة زاد 800 جنيه. أخدت شفت زيادة في مخزن وبقيت أطنش وجبة الغدا. مش تضحية بطولة مني، بس عشان لو أنا أكلت أقل، الأكل يكفي ولادي شبعانين. في يوم بعد الظهر، مدرسة جودي طلبت تتكلم معايا على جنب. بنتي كانت بتخبّي بسكويت مالح في شنطتها وفي درج الفصل. —بتقول إنها عايزة تشيل أكل عشان لو العشا خلص في البيت —قالتها لي في السر. وأنا قاعدة على الكرسي الصغير بتاع الأطفال، حسيت بإن في حاجة جوايا اتكسرت. في نفس الأسبوع كان ناقصني 4,300 جنيه عشان أكمل الإيجار. بعت خاتم جدتي في محل صاغة بعيد عن المنطق. بكيت جوة العربية لأني فهمت إن أسبوع واحد وحش ممكن يرمينا في الشارع. الشخص اللي ساعدني ماكانش أبويا ولا أختي. كانت الست أميمة، صاحبة محل الحدايد والبويات وصاحبة الشقة. كان عندها أكتر من 60 سنة وعادتها تسيب برة بابنا هدوم مستعملة أو حلة طبيخ وتقول “أصل عملت أكل كتير زيادة”. في يوم وقفتني على السلم. —يا بنتي، الأهل مش بالاسم والدم. الأهل هما اللي يظهروا لما ميكونش لهم مصلحة في مساعدتك. الست أميمة رشحتني لمحاسبة كانت محتاجة حد يساعدها في تسجيل الحركة اليومية ومراجعة الفواتير من البيت. الشغل كان بيجيب فلوس أحسن من المخزن وكان ممكن أعمله لما الأطفال يناموا. أول ليلة اشتغلت لحد الساعة 1 بالليل على لاب توب مستعمل. بقالي سنين ماحستش بحاجة قوية كده: أنا شاطرة في الشغلانة دي. في 8 شهور بقيت ماسكة حسابات 5 محلات صغيرة. سبت المخزن، وبعده مكتب التحصيل الطبي، وفتحت شغلي الخاص في المحاسبة من المطبخ. مابقيناش أغنيا، بس مابقيناش عايشين على الكفاف. ولحد ما جه الملف اللي شقلب كل حاجة. واحد من عملائي كان معرض موبيليا بالأمانة بيورد ديكورات لمعارض طارق. وأنا براجع فاتورة قديمة، لقيت بالخطأ وصل بنكي مالوش علاقة بالشروة. عرفت الاسم فوراً: كاميليا، أمي، اللي توفت من 6 سنين. قبل ما تتوفى، أمي كانت عاملة وديعة تعليمية لكل أحفادها. كانت المفروض تتقسم بالتساوي بين ولاد نيرمين وولادي. أنا كنت واثقة إن الفلوس هتفضل زي ما هي لحد ما يكملوا 18 سنة. طلع مش ده اللي حصل. على مدار 3 سنين، مبالغ صغيرة كانت بتتسحب من الوديعة وتروح لشركة لها علاقة بتوسعات معارض طارق. راجعت التواريخ، وكشوف الحسابات، وإعلانات الفروع الجديدة. نفس النمط بيتكرر. دي مش غلطة. في الوقت اللي ولادي كانوا بيعدوا فيه البسكويت، كان في حد بيمول مكاتب، وسفريات، وتوضيبات بفلوس تيتا. طبعت كل ورقة وشيلت كل حاجة في “دوسيه أصفر”. بعد 3 أسابيع دخلت مكتب الأستاذ سامح، محامي متخصص في التركات والودائع. —محتاجة تقولي لو أنا شايفه صح ولا بيتهيألي. سامح قرا في سرُّه. —يا مريم، دي مش تلخبطة عيلة. ده اختلاس ومتوثق. طلب تقرير رسمي بالحسابات من البنك. بعد يومين كلمني. —أختك توقيعها موجود في كل الأذونات. بس كان في توقيع تاني. توقيع أبويا.
**الجزء الثالث والأخير**
مسكت الورق وإيديا بتهتز، بس المرة دي مش من الخوف… من القهر. أبويا، اللي ما هانش عليه يشتري لولادي لقمة عدلة في عيد ميلاده، مضا على سرقة مستقبلهم عشان يغطي مصاريف معارض طارق وشياكة نيرمين.
الأستاذ سامح بصلي وقالي:
—الموقف القانوني واضح يا مريم. دي قض\ية تبديد واختلاس. قدامك طريقين: إما نرفع قض\ية فوراً، أو نطلب جلسة تسوية رسمية ونحطهم قدام الأمر الواقع.
رديت بصوت هادي جداً، أهدى من أي وقت فات:
—حددلي ميعاد معاهم يا أستاذ سامح. عايزاهم كلهم موجودين.
بعد أسبوع، في مكتب المحامي في الدقي، قعدت نيرمين وطارق ومعاهم أبويا. نيرمين دخلت ولابسة نظارة شمس براند، وأبويا قاعد بيبصلي بعتاب كأني أنا اللي غلطانة إنني طلبت القعدة دي.
—خير يا مريم؟ —قالها طارق بقلة ذوق وهو بيبص في ساعته—. ورانا شغل، مش فاضيين للدراما بتاعتك.
فتحت الدوسيه الأصفر وحطيت الصور وكشوف الحسابات والتوقيعات قدامهم على الترابيزة.
—ده حساب الوديعة اللي أمي الله يرحمها سابته لولادي ولادكم —قلتها وأنا باصة في عين أبويا مباشرة—. على مدار 3 سنين اتسحب منه مليون و200 ألف جنيه، راحت كلها في التشطيبات الجديدة لفرع المعرض بتاعك يا طارق… بتوقيع نيرمين، وموافقة بابا.
وش نيرمين اتخطف، وطارق مسك الورق بسرعة وهو بيفحص كل حرف. الضحكة الخبيثة اللي كانت على وش اختي اختفت تماماً، وحل مكانها ذعر حقيقي.
—دي… دي كانت سلفة موقتة! —نيرمين تلعثمت وهي بتبص لأبويا عشان يلحقها.
أبويا حاول يتكلم بصوت جهوري:
—يا مريم يا بنتي، طارق كان يمر بظروف، والقروض كانت بفوايد عالية، قلنا الفلوس أهو موجودة ونرجعها لما المعرض يشتغل… انتي كبرتي الموضوع ليه؟
—كبرت الموضوع؟ —رديت وأنا بقوم أقف—. أنا ولادي كانوا بياكلوا جبنة وعيش، وكانوا بياخدوا الجواكت المقطوعة، وبنتي كانت بتشيل بسكويت في الفصل خايفة العشا يخلص في البيت… وأنتم بتاخدوا حقهم عشان تفتحوا فرع جديد وتعيشوا في مظاهر كدابة؟
الأستاذ سامح اتكلم بكل حزم:
—القضايا اللي قدامنا هتوصل لإلغاء التوكيلات، وبلاغ للنيابة العامة بتهمة خيانة الأمانة والتزوير. وده معناه حبس وقفل للمعارض وتشميعها.
طارق بص لنيرمين بغضب مكتوم، وفهم إن سمعته وشغله كله على المحك. لو القض\ية دي اتعرفت، البنوك هتقفل حساباته، والعملاء هيهربوا.
—عايزة إيه يا مريم؟ —سألني طارق وهو بيحاول يمسك أعصابه.
—حق ولادي يرجع كاملاً بالفوائد القانونية خلال 48 ساعة. الفلوس تتحول في حساب مغلق باسمهم للتعليم فقط. وغير كده… الدوسيه ده هيطلع على النيابة بكره الصبح.
في خلال يومين، نيرمين وطارق اضطروا يبيعوا العربية الجديدة وياخدوا قرض بضمان المعرض عشان يرجعوا المليون و200 ألف جنيه بالكامل في حساب ولادي، قبل ما الفضيحة توصل للشغل والسوق.
أبويا حاول يكلمني بعدها، يشتكي إن نيرمين وطارق متخانقين وبيحملوه المسئولية، وإن البيوت هتتخرب.
رديت عليه بكلمتين بس:
—حق ولادي رجع يا بابا. أما بالنسبة للشبهات والمظاهر، فأنتم اللي اخترتوها.
قفلت السكة، ومن يومها أخدت عيالي وقفلنا الصفحة دي تماماً.
النهاردة، مريم مش المرأة الضعيفة اللي بتعيط في العربية. مكتبي للمحاسبة كبر وبقى عندي 3 موظفين شغاليين معايا. فريدة وجودي ويوسف كبروا، ودخلوا أحسن مدارس، وكل ما بنقعد على ترابيزة أكل… بيبدأوا هما الأول، وبيعرفوا إن قيمتهم مش برضا حد عليهم، ولكن بكرامتهم اللي محدش يقدر يكسرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *