رواية كاملة

وهو بيقفل شنطته، بصلي بابتسامة مستفزة وقال
إنتِ اللي فضلتي تلحي عشان نخلف… استحملي بقى.
وسابني أنا وبنتينا التوأم، ليلى وملك، اللي لسه مكملوش 6 شهور، وركب عربيته وسافر مع أصحابه رحلة 4 أيام.
ولما رجع…
أول ما دخل الشقة…
اللون اتسحب من وشه.
أنا وكريم كنا بنحلم بطفل من أول يوم جواز. سنين بين دكاترة وتحاليل وأمل بيتجدد كل شهر.
ولما ربنا كرمنا بتوأم…
افتكرنا إن تعب السنين خلاص انتهى.
لكن بعد الولادة…
كل حاجة اتقلبت.
مع أول 6 شهور، حياتي بقت عبارة عن رضاعة، وحفاضات، وغسيل، وتعقيم ببرونات، وعياط متواصل، ومحاولات إني أهدي طفلتين في نفس اللحظة.
أما النوم…
فبقى مجرد ذكرى.
كنت بقضي الليالي صاحية، ولو غفلت دقائق، ألاقي واحدة صحت، وبعدها التانية.
ورغم الإرهاق…
كنت مقتنعة إن كريم أكيد حاسس بيا.
لحد الليلة اللي رجع فيها من الشغل، وأنا منهارة.
طلبت منه بكل هدوء
ممكن تمسك البنات عشر دقايق؟ عايزة آخد شاور.
بصلي بضيق وقال إنه تعبان من الشغل، وإن البيت طول الوقت فوضى، وأنا مبقتش مهتمة حتى بنفسي.
وقبل ما أرد…
قالي إنه حاجز رحلة مع أصحابه وهيقضي 4 أيام بعيد.
قلتله وأنا مصدومة
وهسيبني لوحدي مع بنتين رضّع؟
رد بمنتهى البرود
إنتِ اللي كنتِ مصرة تبقي أم… استحملي.
الجملة دي كسرت فيا حاجة عمرها ما اتصلحت.
ما صرختش…
ولا منعته.
سيبته يمشي.
الأيام اللي بعدها كانت قاسية جدًا.
كنت باكل أي لقمة وأنا واقفة، وبنام على الكنبة وأنا شايلة بنت، والتانية في الكرسي الهزاز.
لكن وسط التعب…
أخدت قرار غيّر حياتي كلها.
بطلت أصدق إن اللي بيعمله طبيعي.
وبطلت أقنع نفسي إنه أب يستحقهم.
ولما خلصت الأربع أيام…
رجع كريم وهو متوقع يلاقيني
مستنياه بابتسامة.
لكن أول ما فتح باب الشقة…
وشاف اللي كان مستنيه…
وقف مكانه، ومقدرش ينطق ولا كلمة.
كان البيت نظيفًا بكل تفاصيله، كل حاجة في مكانها، الملابس المطوية على الرفوف، الأرضية لامعة، وريحة الحليب والنعناع بتملأ المكان. وأنا واقفة قدامه بملابس نظيفة، وشعري مرتب، وعيوني وإن كانت ظاهرة عليها آثار السهر، لكنها كانت مشرقة بثقة ما شافها مني زمان. وبجانبي جدتي، ست السبعين سنة اللي طول عمرها رمز للصبر والعدالة، ووالدتي، اللي كانت عيناها حمراء من الغضب، وجد البنات، أبويا، اللي واقف بظهره المستقيم ونظراته الصارمة ما تزحزحش عن كريم. والبنات نايمين بهدوء في سريرهما النظيف، ملفوفين ببطانيات ناعمة، ما عندهش أي علامة إهمال أو تعب.
تقدم خطوة بتردد، وقال بصوت متردد ما شبهش صوته اللي كان بيتكلم بكل وقاحة قبل ما يسافر
إيه ده… إيه اللي جابهم هنا؟ ومالك واقفة كده؟ كنت متوقع…
قاطعته بصوت هادئ لكن كل كلمة فيها وزن جبل
كنت متوقع تلاقي إنسانة منهارة، عيونها مغرقة دموع، بتترجاك تبقى معاها؟ كنت متوقع إنني مستحيل أقدر أربي بنتين لوحدي حتى ساعات قليلة؟ كنت فاكر إن كلامك ده حقيقة؟
سكت شوية، ثم أكملت وأنا أرفع صوتي شوية ليعرف إن الكلام ده مش للعب
أنا ربيت بنتين أربع أيام كاملين، وأنا تعبانة ومجروحة ومكسورة القلب، وما قصرتش في حقهم ولا في حق البيت ولا حتى في نفسي. فالسؤال بقى إنت اللي كنت عاجز تمسكهم عشر دقايق بس عشان أرتاح دقائق؟ إنت اللي أب؟ ولا إنت مجرد شخص فاكر إن الأبوة مجرد كلمة تتقال، والمسؤولية كلها على كاهل المرأة لوحدها؟
حاول يتكلم، يقول أي حاجة يبرر بيها نفسه
يا سلمى، إنت مش فاهمة، الشغل كان ضاغط عليا جدًا، وكنت محتاج أرتاح شوية، والبيت كان…
قاطعته جدتي بصوتها الحاد اللي ما يردش عليه أحد
أي بيت يا ولد؟ البيت ده مش مسؤولية الزوجة لوحدها! الجواز عِشرة وشراكة، مش إنك تيجي وتاخد اللي عايزه، ولما تجي المسؤولية تفر هارب! بنتي سلمى صبرت عليك سنين، كانت بتجري وراء الدكاترة وتعمل التحاليل وتتعب عشان تحقق أمنية كنت بتشاركها إياها، ولما ربنا كرمتكم، سبتها لوحدها في وسط العتمة والتعب؟ ما خافتش من ربنا؟ ما شافتش دموعها اللي كانت بتمسحها عشان ما تزعجك؟
كان كريم بيتحرك بقلق، عينيه بتتحرك بينا كلنا، مش عارف يرد على أي واحدة فينا. كان متوقع مشاكل بسيطة، كلام يمر، وكل حاجة ترجع زي ما كانت، لكنه لقى نفسه أمام جدار صلب، وقرار اتخذته وما فيه رجعة.
أبويا تكلم أول مرة، بصوت ثقيل بكل كلمة منه معنى
يا كريم، أنا جيت لما شفت بنتي في الحالة دي، وسمعت منها اللي صار. أنا ما كنتش عايز أتدخل في حياتكم، لكن لما تصل لدرجة إنك تسيب أم رضيعتين لوحدها وتسافر تفرح مع أصحابك، وتقول لها كلام يكسر الظهر، فده مش جواز، ده استبداد. سلمى صبرت كتير، وما حدش يقدر يلومها لو قررت أي حاجة. والبنات لهم حق في أب يخاف عليهم، مش أب يخاف من مسؤوليتهم.
والدتي مسكت إيدي وقالت بصوت مليان ألم
يا بنتي كنت خايفة عليك، كنت فاكره هيعرف قيمتك، لكن الظاهر إن بعض الناس ما يعرفوش القيمة إلا لما يضيعوا اللي معاهم. إنتِ قوية، وربنا معاكِ، ومش هنسيبك أبدًا مهما حصل.
بصيت لكريم مرة تانية، وقلت له بكل هدوء ووضوح
كريم، أنا ما جيتش هنا عشان أخاصمك ولا عشان أبكي عليك. أنا جيت أقولك قرارى. من اليوم ده، أنا راح أرجع لبيت أهلي مع بناتي. ولما تقدر تتحمل مسؤولية الأبوة والجواز بجد، وتعرف إن الحياة مش كلها راحة ومتعة، وتفهم إنني شريكة حياتك مش خادمة عندك، نتكلم. لكن لحد ما يحصل ده، الباب بينا مغلق.
صرخ بصوت عالي
وأنا بقولك مش موافق! ده بيتي، ودي مراتي وبناتي، ومش هسمح لك تروحي ولا مكان!
رديت عليه بثقة ما تزحزحش
أنت موافق ولا مش موافق، ده مش مهم. القانون معايا، والحق معايا، والكل عارف اللي صار. أنا مش هعيش مع إنسان ما بيحترمني ولا بيخاف على راحتي ولا راحة بناته. لو عايز تحل المشكلة، تحلها بطرق سليمة، أما الصوت العالي والتهديد فمش هينفع معايا أبدًا.
سابته واقف مكانه، ومشيت مع أهلي وأنا شايلة ليلى، وأمي شايلة ملك، وخرجنا من الشقة اللي كانت مليانة أحلامي اللي تحولت لجروح، ورجعت لبيت أهلي اللي كان مستني بكل حب واحتضان.
الأيام اللي بعدها كانت مليانة تحديات، لكنها كانت أحسن بكثير من الأيام اللي كنت عايشاها مع كريم. كان عندي أهلي بجانبي، أبويا بيساعدني في أي حاجة محتاجاها، أمي بتقعد معايا وبتساعدني في رعاية البنات، وجدتي بتعطيني من حكمتها وصلواتها اللي بتقويني كل يوم. كريم كان بيتصل كل فترة، مرة بيتكلم بغضب، ومرة بيحاول يعتذر، ومرة بيقول إنه تعبان ومش عارف يتصرف، لكني كنت بثبت على موقفي، ما بتراجعش ولا أتأثر بكلامه. كنت عارفة إن لو رجعت بسرعة، هيرجع لطبيعته القديمة، ومش هيتغير أبدًا.
بعد أسبوعين، جالي في بيت أهلي، طلب إنه يتكلم معايا لوحدنا. وافقت، وجلسنا في الصالة، والبنات نايمين في الغرفة المجاورة.
قال بصوت أهدأ من أول مرة
سلمى، أنا فكرت كتير في اللي صار، وعرفت إني غلطان جدًا. ما كانش ينفع أسيبك كده، ولا أقول لك الكلام ده. كنت أناني، فكرت في نفسي بس، وما شفتش تعبك ولا مجهودك. كل ما كنت تعبان، كنت بضغط عليك، وما أعطيتكش حقك في الراحة ولا التقدير.
لمحة نيوز



