رواية كاملة

وأنا آسف، آسف بجد.
بصيت له وقالت
الندم جميل يا كريم، لكن الأهم منه الأفعال. الاعتذار مش بيمسح الجرح، ولا بيعوض الساعات اللي قضيتها وحدي منهارة. عايزة أعرف منك إنت عايز ترجعني عشان خاطري أنا؟ ولا عشان خاطر البنات؟ ولا عشان عرفت إنك مش هتقدر تعيش من غيري؟
رد بسرعة
كل ده يا سلمى، عشانك إنتِ أولًا، إنتِ حياتي، وكنت غبي لما شفتش ده. وعشان البنات، لازم يكبروا في بيت فيه أب وأم. وعشان عرفت إنني مش هقدر أتكيف من غيرك، الشقة من غيرك مش بيت، مجرد جدران فارغة.
قلت له بجدية
طيب، عايزك تعرف الشروط اللي لازم تتحقق عشان أفكر أرجع، ومش عايز أي كلام بلا فعل
أولًا من اليوم ده، مسؤولية البيت والبنات بينا بالتساوي. الرضاعة لو أنا مش قادرة، أنت اللي تعملها. تغيير الحفاضات، تعقيم البرونات، تنظيف البيت، غسيل الملابس، كل ده مش شغلي لوحدي، ده شغلنا مع بعض.
تانيًا لازم تحترمني وتقدر تعبي، ولو شفتني تعبانة، تسألني إيه اللي محتاجاه مش تزيد علي الضغط. ومش هتقول لي كلام يجرحني أبدًا، مهما كان السبب.
تالتًا أي رحلة أو خروج مع أصحابك، لازم يكون بعد ما تتأكد إن فيه حد معايا يساعدني، وتكون موافق عليه مني أولًا. مش هتسيبني أبدًا لوحدي مع البنات وتسافر من غير ما نكون متفقين.
رابعًا لازم نروح مع بعض

لشيخ أو مستشار عائلي، نتعلم كيف نتعامل مع مسؤوليات الأبوة والزواج، وكيف نتفاهم من غير ما نجرح بعض.
وخامسًا أهلي لهم حق علينا، وزي ما أنا أحترم أهلك، لازم تحترمهم وتقدر وقفتهم معايا في محنتي دي.
سكت شوية، ثم قال بكل جدية
كل ده أوافق عليه يا سلمى، وكل شروطك هتنفذها حرفيًا. وأنا مستعد أثبت لك ده بأفعالي مش بكلامي بس. سامحيني، واديني فرصة أثبت إنني أستحقك وأستحق أكون أب لبناتك.
قلت له
أنا مش هقولك سامحتك دلوقتي، لأن الجرح لسه طري. لكني هعطيك الفرصة، وسأراقب أفعالك. لو لقيت إنك بتتغير بجد، هنرجع لبعض. ولو لقيت إنك رجعت لطبيعتك القديمة، فاعرف إن الفرصة دي انتهت للأبد، ومش هنرجع أبدًا.
وافق على كل كلمة قلتها، وبدأ يثبت كلامه بأفعال من أول يوم. كان بيجي كل يوم لبيت أهلي، بيجيب معاه احتياجات البنات، بيجلس معاهم ويلعب بهم، بيساعد أمي في تنظيف الأطباق، بيسألني عن حاجاتي، وحتى كان بيجي معايا لزيارة الدكتور للبنات، ويكتب كل نصيحة الدكتور عشان ما ينساها. لاحظت إن كلامه اتغير، وإن أفعاله بتعكس ندم حقيقي ورغبة صادقة في التغيير.
بعد شهر، وافقت أرجع معاه للشقة، لكن بشروطي، وبدأت الحياة الجديدة. ووجدت إن كريم بالفعل تغير بجد. كان بيصحى معايا بالليل لما البنات تصحى، بيعمل الحليب، بيمسح الحفاضات، بيساعدني في تنظيف البيت، وحتى كان بيقول لي روحي استريحي شوية، أنا هعمل كل حاجة. لما كان بيحس إني تعبانة، كان بياخد البنات ويمشي بهم في الشرفة عشان أرتاح، وكان بيقدّر مجهودي ويشكرني عليه كل يوم.
كنا نروح معًا للمستشار العائلي، ونتعلم كيف نتفاهم، وكيف نعبر عن مشاعرنا من غير ما نجرح بعض، وكيف نتقاسم المسؤوليات. ومرت الشهور، وبدأت الجروح تندمل، والثقة ترجع تدريجيًا، لكنها كانت ثقة مبنية على أفعال مش كلام.
وبعد سنة، كانت البنات بدأت تمشي وتتكلم كلمات بسيطة، وكان كريم أب مثالي، بيحب بناته بجنون، وبيخاف عليهن، وبيقضي معاهن كل وقت فراغه. وذات يوم، كنا نجلس مع بعض والبنات يلعبوا قدامنا، قال لي كريم وهو يمسك إيدي
يا سلمى، أنا مدين لكِ بكل حاجة. لو ما كنتش صبرتي واعطيتيني الفرصة، ما كنتش عرفت قيمة الحياة دي ولا قيمتك. ربنا يخليك لي وللبنات.
ابتسمت له وقلت
الحمد لله اللي هداك يا كريم. المهم إننا تعلمنا الدرس، وعرفنا إن الحياة الزوجية مسؤولية مش سهلة، ومش بتكمل إلا بالحب والاحترام والتقاسم.
وبعد فترة، قررنا نعمل عقيقة صغيرة للبنات، وندعو الأهل والأحباب، وكنت سعيدة جدًا لما شفت كريم وهو يحتضن بناته، ويتكلم مع أهلي بكل احترام وتقدير، ويشكرهم على وقفتهم معايا.
مرت السنين، والبنات كبروا، واتضح إن ليلى بتحب الرسم والقراءة، وملك بتحب الرياضة والغناء، وكريم كان بيدعم كل واحدة فيهم حسب ميولها، وكان بيقول لي دائمًا الفضل كلو لكِ، إنتِ اللي ربيتهم وعلمتهم معنى الصبر والقوة.
وذات يوم، وبعد ما كملت البنات سن المدرسة، جاء لي كريم ومعاه هدية جميلة، وقال لي
دي تعبير بسيط عن شكري وامتناني لكل ما عملتيه. أنا عرفت إن العدالة ربنا بيجيبها لما نصبر ونستحقها، وإنك كنتِ تستحقين كل خير، وكنت غبي لما حرمك منه فترة. واليوم أقدر أقولك إنك نلتِ العدالة اللي تستحقينها، وحقك رجع لك، واكتر من كده.
ابتسمت له، وشكرت ربنا في قلبي، لأنني عرفت إن الصبر مهما طال، والحق مهما ضاع، فالله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وإن العدالة مهما تأخرت فهي آتية لا محالة، وإن القوة اللي كانت في قلبي هي اللي خلّتني أستمر لحد ما وصلت للراحة والعدالة اللي كنت أستحقها.
وظللنا نعيش حياة مليئة بالحب والاحترام والتقاسم، والبنات كانوا يشوفوا فينا القدوة الحسنة، وتعلموا منا إن الحياة تحتاج لصبر ومسؤولية، وإن الحق مهما طال يظهر، وإن الظلم ما يدوم أبدًا. وهكذا انتهت قصتي، قصتي اللي بدأت بألم وانتهت بعدل وراحة، واثقة إن ربنا ما ينسى أحد، وإن كل مجهود وتعب بيكون له نهاية جميلة إذا صبرنا واتكلنا عليه.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *