ممكن تمثلي إنك أم بنتي الليلة دي؟ رجل الأعمال الأرمل همس للجرسونة اللي كانت واقفة قدامه... الملياردير طلب من جرسونة إنها تمثل إنها أم بنته... لكن البنت الصغيرة همست لها متمشيش وتسيبيني زي ما ماما عملت. ندى سامي كانت فاكرة إن ترابيزة رقم سبعة مجرد عيد ميلاد عادي لأب وبنته. لحد ما كريم المنشاوي عرض عليها خمسمية دولار عشان تمثل إنها مراته اللي ماتت... لمدة ساعتين بس. لكن قبل ما يطفوا الشمع، ست كانت واقفة بره المطعم أخدت صورة واحدة بالموبايل... والصورة دي حولت أمنية طفلة صغيرة في عيد ميلادها لمعركة حضانة كبيرة. الجزء الأول الطلب المستحيل على ترابيزة رقم سبعة وقت الزحمة في مطعم ماريللو كان دايمًا عامل زي عاصفة صغيرة. صوت الشوك وهي بتخبط في الأطباق، ورنة الكوبايات، وأبواب المطبخ وهي بتفتح وتقفل مع ريحة التوم والريحان والصلصة والعيش السخن اللي مالية المكان. المطر كان بينزل على إزاز المطعم، ومخلي نور أعمدة الشارع بره باين زي شرايط دهب طويلة على الرصيف المبلول. ندى سامي كانت بتمسح البار لما محمود، مسؤول استقبال الزباين، رفع قايمتين أكل وبصلها ناحية الباب. وقال ترابيزة سبعة... عندك الأب والبنت الصغيرة. ندى بصت ناحية الباب. الراجل اللي لابس بدلة كحلي كان واقف شايل بنت صغيرة على دراعه. كان شكله في نص التلاتينات، طويل، شعره غامق، وشكله باين عليه الغنى من غير ما يحاول يلفت النظر. أما البنت الصغيرة فكانت لابسة فستان بينك شيك أوي بالنسبة ليوم عادي في نص الأسبوع، وحاطة توكة شبهه في شعرها الأشقر، وقاعدة بهدوء غريب لطفلة صغيرة كأنها بتحاول بكل قوتها متضايقش حد. ندى لاحظت الطريقة اللي كان شايلها بيها. بحماية. برقة. وبرعب. أخدت قايمتين الأكل ومشيت ناحيتهم بابتسامتها المعتادة. مساء الخير، نورتوا ماريللو. إنتوا الاتنين بس النهاردة؟ الراجل رد أيوه، ترابيزة لشخصين لو سمحتي. صوته كان هادي، لكن كان فيه رعشة مستخبية جواه. ندى ودتهم لترابيزة رقم سبعة، اللي جنب الشباك الكبير. وسحبت كرسي الأطفال للبنت قبل حتى ما يطلب. البنت كانت بتبصلها بعينيها الزرقا الواسعة وإيديها متشابكة فوق رجلها. ندى ابتسمت وقالت أنا اسمي ندى، وأنا اللي هكون مسؤولة عنكم النهاردة. وإنتِ اسمك إيه يا قمر؟ البنت همست ليلى. وبعدين كأنها افتكرت حاجة اتقالتلها قبل كده، كملت أنا بقيت عندي خمس سنين النهاردة. ندى ابتسمت بحنية كل سنة وإنتِ طيبة يا ليلى. ليلى ابتسمت، لكن كانت ابتسامة صغيرة وحذرة. ندى أخدت طلباتهم مياه لكريم، ولبن لليلى. ولما رجعت المطبخ، كان جواها إحساس غريب مش قادر يسيبها. بقالها أربع سنين شغالة جرسونة، وفي نفس الوقت طالبة في كلية مجتمع بتدرس علم نفس الأطفال مادة مادة بين الشيفتات. وعرفت تفرق بسهولة بين الطفل الكسوف، أو المدلل، أو الجعان، أو المتحمس، أو الخايف. لكن ليلى ما كانتش مجرد طفلة مكسوفة. ليلى كانت مستنية حاجة. ولما ندى رجعت بالمشروبات، كريم مال عليها وقال ممكن أكلمك دقيقة على انفراد؟ ندى اتوترت شوية. في حاجة غلط؟ هز راسه لأ، مفيش حاجة تخص الأكل... الموضوع يخص بنتي. ندى مشيت معاه كام خطوة بعيد عن الترابيزة، لكن لسه شايفة ليلى. قال أنا اسمي كريم المنشاوي... أم ليلى توفت من سنتين. صوت ندى اختنق وهي بتسمع. كريم كمل وهو بيمرر إيده على وشه بتعب النهاردة عيد ميلادها... الصبح قالت لأصحابها في الحضانة إن مامتها هي اللي هتاخدها العشا النهاردة. ندى سكتت. المدرسة كلمتني، ولما سألتها ليه قالت كده... قالتلي إنها نفسها تعيش عيد ميلاد واحد بس وتحس إن عندها أم قاعدة معاها على الترابيزة زي باقي الأطفال. ندى بصت ناحية ليلى. كانت قاعدة في مكانها من غير حركة، وباصه لكوباية اللبن كأن الهدوء لوحده ممكن يحقق معجزة. كريم أخد نفس عميق وقال أنا عارف إن طلبي مجنون... وعارف إني المفروض مطلبش منك كده... بس أول ما دخلنا المطعم، ليلى شارت عليكِ وقالت إن شكلك طيب. صوته اتكسر وهو بيكمل أنا محتاجك تمثلي إنك أمها... بس وقت العشا. ساعتين بس. وهدفعلك خمسمية دولار... ولو عايزة أكتر مفيش مشكلة. ندى فضلت باصة له كام ثانية. وبعدين قالت بسرعة لأ. ملامح كريم وقعت فجأة. ندى استدركت بسرعة قصدي... لأ، مينفعش آخد فلوس على حاجة زي دي. هي نفسها استغربت من كلامها. هروح أكلم المدير الأول. بعد عشر دقايق... ندى كانت قلعت المريلة، وسابت شعرها نازل، ودخلت المطعم من الباب الرئيسي كأنها زبونة جاية متأخرة. كريم وقف أول ما شافها. وليلى بصت ناحيتها. الأمل والخوف عدوا على وش البنت الصغيرة بسرعة لدرجة إن قلب ندى وجعها. ندى قربت وقعدت جنبها وقالت برقة آسفة إني اتأخرت يا حبيبتي... الزحمة كانت صعبة أوي. ليلى فضلت باصة لها كام ثانية وهي بترتعش. وبعدين همست أهلاً يا ماما. الكلمة نزلت على الترابيزة كأنها قلب من إزاز. ندى مدت إيدها وعدلت خصلة شعر من على وش ليلى وقالت كل سنة وإنتِ طيبة يا ليلى. عيون ليلى املت دموع. وسألت بصوت صغير إنتِ هتمشي بعد التورتة... زي ما تيته قالت إن كل المامهات بيعملوا؟ كريم سكت تمامًا. وفي اللحظة دي ندى فهمت، بإحساس بارد سرى في جسمها كله، إن الموضوع أكبر من مجرد حزن على أم ماتت. كان فيه حد بيعلّم البنت الصغيرة دي تخاف من الحب... السؤال الصغير اللي طلع من فم ليلى خيم على المكان كله، وحتى صوت الأكل والحديث في باقي الترابيزات بدا يبتعد كأنه سحب نفسه بعيد عن اللحظة دي. ندى حست بحرارة الدموع بتجمع في عينيها، وشدت نفسها بسرعة عشان ما تظهر ضعف قدام البنت اللي كانت بتتساءل بكل براءة عن معنى البقاء والابتعاد. مدت إيدها ومسكت إيد ليلى الصغيرة اللي كانت باردة كأنها لمحة نيوز كانت قاعدة في مكان بارد من زمان، وضغطت عليها برفق وقالت بصوت مليان حنية ومصداقية لا يا روحي، مش هامشي إلا لما تخلصي كل الشمع، وتقطعي التورتة، وتقوليلي كل اللي نفسك فيه. ومش هسيبك أبدًا طالما إنتِ عايزاني معاكِ. اتفقنا؟ ليلى بصت لها بعيونها الزرقا الواسعة، وكأنها بتقارن بين الكلام ده والكلام اللي كانت بتسمعه من فترة، وبعدين هزت راسها ببطء وضغطت هي التانية على إيد ندى. كريم كان واقف جنب الترابيزة، وكل كلمة بتقولها ندى كانت بتخفف حمل ثقيل كان شايله لوحده من سنتين. لما قعد هو التانية، لاحظ إن إيده كانت بترتجف، وإن الابتسامة اللي كانت على وشه من فترة اختفت وحل محلها شعور بالراحة والخوف مع بعض. طلب من الجرسون يجيب التورتة اللي كان حاجزها من أول الأسبوع، وبعد دقايق جابوها ومعاها خمس شمعات مولعة. النور خفت على الترابيزة، والشمعات كانت بتضوي على وش ليلى اللي بدا يشرق بالأمل. كريم مسك إيدها اليمين، وندى مسكت إيدها الشمال، وكلهم ثلاثة همسوا مع بعض كل سنة وإنتِ طيبة. ليلى نفخت الشمعات بكل قوتها، ولما انطفأت كلها، ضحكت لأول مرة ضحكة حقيقية ومليانة صوت، ضحكة رنت في قلب ندى وخلتها تحس إنها عرفت معنى السعادة من جديد. ولما كانوا بيقطعوا التورتة، لاحظت ندى إن ليلى كانت بتشاور من وقت للتاني على الباب، وكأنها بتخاف حد يدخل في اللحظة دي. سألتها بصوت خافت في حد بتنتظريه يا حبيبتي؟ ليلى سكتت شوية، وبعدين همست تيته نعيمة تيتة أم بابا. هي كانت تقولي إن ماما سابتني وسافرت، وإن كل اللي بيحبوني هيسيبوني زيها. ندى بصت لكريم، ولقيت وشه اتغير، وبدا يظهر عليه الغضب والوجع مع بعض. قال بصوت منخفض أمي مش عارفة تقول الكلام ده غلط، وهي بتعاني من الحزن زيي، بس مش المفروض تقول كلام يوجعك كده يا ليلى. ماما كانت بتحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا، ومش سابتك بإرادتها. هي راحت لمكان أحسن، ولسه بتحبك وبتشوفك من هناك. ندى فهمت ساعتها من أين جاء الخوف اللي كان مالي قلب البنت الصغيرة. مش مجرد فقدان الأم، بل رسائل سلبية متكررة من أقرب الناس لها، كانت بتزرع فيها الشك في الحب والخوف من كل قرب. بعد ساعة ونص، كانت الساعتين اللي طلبها كريم خلصت تقريبًا. المطر وقف، والنجوم بدت تظهر في السماء. ليلى نامت شوية على كتف ندى، وملامحها هدت واختفت علامات القلق من وشها. كريم مد يده وخرج شيك بكل المبلغ اللي اتفقوا عليه، وزاد عليه مبلغ تاني، وقال مش عارف أشكرك كفاية يا ندى. أنتِ عملتي معانا معجزة النهاردة. خدي المبلغ ده، واقبليه مني كهدية، مش كأجر. ندى رفضت بابتسامة، وقالت قلتلك مش هاخد فلوس على حاجة من القلب. لو عايز تشكرني، فخليك دائمًا جنب ليلى، وخلّي حد يحاول يقولها كلام يوجع قلبها تاني. دي أمنيتي الوحيدة. كريم سلم، وطلب يوصلها لبيتها، لكنها رفضت وقالت إن بيتها قريب ومش هتتعب. لما مشيت لباب المطعم، التفتت لقتهم آخر مرة، ولقيت كريم بيلوح لها، وليلى فتحت عينها ونادت بصوت ناعم شكرًا يا ماما شكرًا عشان ما سبتنيش. ندى رجعت لبيتها وقلبها مليان مشاعر متضاربة، ومش عارفة تنسى نظرة البنت الصغيرة. ما كانتش تعرف إن اللحظة السعيدة دي اللي عاشوها على ترابيزة رقم سبعة، كانت بداية لمشوار طويل مليان تحديات ومفاجآت. الجزء الثالث الصورة والخبر المفاجئ بعد يومين، كانت ندى في الكلية، لما سمعت زميلاتها في القاعة بيتكلموا عن خبر منتشر في مواقع التواصل المحلية. قالت واحدة منهم شفتي الخبر؟ كريم المنشاوي، الملياردير المعروف، في نزاع حضانة على بنته مع جدته لأبيه. والجدة بتقول إن ابنها تزوج من امرأة غريبة وإنها مش مناسبة تربي الطفلة، وإنها عايزة تاخد الحضانة لنفسها. ندى حست بصدمة، وسرعت تفتح الخبر على هاتفها. وكانت الصورة الأولى اللي ظهرت لها هي صورة لهم الثلاثة في المطعم، هي جالسة جنب ليلى، ويدها على كتفها، وكأنها عائلتهم الكاملة. وتحت الصورة كلام مكتوب السيدة ندى سامي، المجهولة الهوية، ظهرت كزوجة ووالدة طفلة كريم المنشاوي، وسط مخاوف من استغلالها لظروف الطفلة للحصول على ثروة العائلة. الدنيا ضاقت بندى، وما عرفت ترد ولا تتكلم. كيف وصلت الصورة دي؟ ومين اللي بعتها؟ وكيف فهموا غلط بالشكل ده؟ في نفس الوقت، كان كريم في مكتبه، ولما شاف الخبر، غضب جدًا واتصل فورًا بمحاميه، وسأله مين اللي بعت الصورة؟ ومين اللي كتب الكلام ده؟ لازم نعرف المصدر ونوقف الحملة دي فورًا. المحامي قال الصورة جاية من حساب مجهول، لكن التحقيقات بتشير إنها اتقطعت من خارج المطعم، والكلام الموجود فيها يتطابق تمامًا مع ما كانت السيدة نعيمة حماتك بتقوله في جلسات التفاوض. يبدو إنها استخدمت الصورة لتثبت إنك بتخفي أمور عن القضاء، وإنك عايز تربط بنتك بامرأة مش معروفة لتحقق أغراض شخصية. كريم ضرب بقبضته على المكتب، وقال بغضب أمي بتعرف تمامًا إن ندى ما كانتش غير ضيفة شرف، وإن طلبنا منها مجرد مساعدة عشان عيد ميلاد ليلى! ليه بتعمل كده؟ ليه بتدمر سمعتة ناس بريئة عشان تاخد حق مش حقها؟ المحامي تنهد وقال هي بتقول إنها خايفة على مستقبل ليلى، وإنك مش قادر تتحمل مسؤوليتها لوحدك، وإن أي امرأة تقترب منكم بتكون عايزة ثروتكم. الصورة دي جعلت القاضي يطلب جلسة استماع عاجلة، وطلب استدعاء السيدة ندى سامي لتوضيح ملابسات الموضوع. ندى وصلها إشعار بالاستدعاء من المحكمة في نفس اليوم، وحست إن الحظ بيلعب معاها لعبة قاسية. ما كانتش تعرف شيء عن نزاع الحضانة، ولا عن المشاكل اللي بتعاني منها عائلة المنشاوي، وكل اللي عملته كان مساعدة لطفلة محتاجة حنان. قررت تروح لكريم قبل الجلسة، ولقيتة في مكتبه، كان شكله مجهد ومشغول. أول ما شافها، قام من مكانه وقال بندم أنا آسف جدًا يا ندى. ما كنتش أتوقع إن طلبنا البسيط ده يوصل للي وصل ليه. أمي هي اللي عملت كده، صورتكم وبعتت الصورة عشان تثبت إنني مش قادر أكون أب مناسب. ندى قالت بهدوء أنا مش جاية ألومك يا كريم. أنا عايزة أفهم الحقيقة كاملة، عشان أقدر أتكلم صح في المحكمة. ليه جدّة ليلى عايزة تاخد الحضانة؟ وليه بتكره الفكرة إنك تربيها لوحدك؟ كريم جلس، وبدأ يحكي لها الحكاية من أولها ليلى أمها، سلمى، كانت بنت بسيطة من عائلة متوسطة، وأنا قابلتها في الجامعة. لما قررنا نتزوج، أمي رفضت بشدة، قالت إنها مش من مستوانا، وإنها هتجيبلي المشاكل. تزوجنا رغم كل الرفض، وعشنا سنتين أسعد ما يكون، لحد ما سلمى مرضت بمرض نادر وتوفت فجأة. من يومها، أمي بتقول إن سلمى أخذتها مني، وإن أي حاجة تربطني بيها أو ببنتها هتجيبلي الشر. وبتقول إن ليلى لازم تربط في بيتها، بعيد عني، عشان تتطهر من تأثير أمها. سكت شوية، وكمل بصوت موجوع أنا حاولت أشرح لها كتير إن ليلى كل ما عندي من سلمى، وإن ما فيش حد في الدنيا يقدر يحبها أكتر مني، لكنها مش بتسمع. وكل ما أحاول أجعل ليلى تعيش حياة طبيعية، بتقلب الدنيا ضدي. الصورة دي مجرد ذريعة عشان تقول إنني مش مستقر، وإنني بجيب ناس غريبة تدخل حياة البنت. ندى فهمت كل حاجة ساعتها، وعرفت إن الموضوع مش مجرد طمع في الحضانة، بل حقد قديم وغضب مدفون، بيتحمل طفلة بريئة ثمنه. الجزء الرابع الجلسة والحق اللي بيظهر في يوم الجلسة، كانت القاعة مليانة، والصحفيين كانوا بيتكلموا بصوت عالٍ عن القضية الغريبة. نعيمة المنشاوي كانت جالسة بملامح قاسية، وبجانبها محاميين كتير. أما كريم فكان جالس بهدوء، وبين الحين والتاني ينظر لباب القاعة بانتظار ندى. لما دخلت ندى، سكت الجميع. كانت لابسة ملابس بسيطة ورسمية، ومشيت بثقة لمنصة الشهود. القاضي بدأ يسألها السيدة ندى، هل الصورة المعروضة تثبت إنك كنتِ تعيشين مع السيد كريم المنشاوي كزوجة له وأم لابنته؟ ندى ردت بوضوح لا يا سيدي القاضي. الصورة دي اتقطعت في عيد ميلاد الطفلة ليلى، قبل أسبوعين. وأنا ما كنتش أكثر من جرسونة في المطعم اللي كانوا فيه. فسألها القاضي إذن لماذا كانتِ تجلسين معهم بهذا التقارب، ولماذا وصفك البنت بأنك أمها؟ ندى حكت كل التفاصيل بصدق، من أول ما شافت ليلى، لحد ما طلب منها كريم المساعدة، وحتى الكلام اللي قالته ليلى عن خوفها من الابتعاد. وأرفقت معها تقرير من إدارة المطعم يثبت مواعيد عملها، وتقرير من الكلية يثبت دراستها، وشهادة من أصدقائها وعائلتها تثبت إنها ما كانتش تعرف كريم المنشاوي قبل اليوم ده. لما خلصت كلامها، قام محامي نعيمة وقال كلامك مجرد تبرير يا سيدة ندى! لماذا تقبلين امرأة غريبة أن تتقمص دور أم طفلة؟ أليس هذا دليل على أن هناك اتفاق مسبق بينك وبين المدعى عليه؟ ندى ردت بثبات أنا درست علم نفس الأطفال، وعارفة معنى فقدان الأم في سن الخمس سنين. وعارفة كيف الكلمات البسيطة والحنان المفقود بيعملوا فرق كبير في حياة الطفل. قبلت المساعدة عشان طفلة كانت محتاجة تحس بالحب، مش عشان فلوس ولا عشان منصب. وحتى لما عرض عليّ السيد كريم مبلغ مالي، رفضت أخده، والكلام ده أكده هو بنفسه. كريم قام وأكد كلام ندى، وقدم رسائل نصية بينه وبينها تثبت رفضها لأي مبلغ، وشهادة مدير المطعم والجرسون اللي شافهم. بعدين طلبت ندى الكلام، وقالت للقاضي عندي طلب بسيط يا سيدي. اسمحوا لي أسأل الجدة سؤال واحد بس. سمح لها القاضي، فالتفتت ندى لنعيمة وقالت ست نعيمة، لما كنتِ صغيرة وفقدتي والدتك، هل كنتِ تفضلي إن حد يقولك إن أمك سابتك، ولا إنها كانت بتحبك ولسه معاكِ؟ وهل كنتِ تفضلي الوحدة والخوف، ولا لمسة حنان من أي قلب طيب؟ نعيمة اتأثرت من السؤال، وبدت علامات التردد على وشها، لكنها حاولت تظل قوية وقالت ده مش نفس الموضوع! أنا خايفة على بنت ولدي من الغرباء ومن اللي بيحاولوا يضروها. ندى قالت بهدوء الغريب مش اللي بيعطي حنان بلا مقابل يا ست نعيمة. الغريب اللي بيخلي الطفلة تحس إنها مذنبة عشان حبها لأمها، واللي بيخليها تخاف من كل قرب عشان تعودها الوحدة. ليلى محتاجة أب يحبها، ومحتاجة تحس بوجود أمها، مش محتاجة نعيشها في عداوة وكراهية. القاضي أخذ الكلام، وقرر تأجيل الجلسة لمدة أسبوع لجمع أدلة إضافية، لكنه أمر ببقاء ليلى في حضانة أبيها مؤقتًا، لما لاحظ من تقارير الخبراء إنها أكثر استقرارًا معاه. الجزء الخامس الحقيقة والبداية الجديدة بعد الجلسة، قابلت ندى نعيمة في مدخل المحكمة، وكانت واقفة لوحدها، وبدت عليها علامات التعب والندم. قالت لها ندى برفق أنا عارفة إنك بتعاني من حزن عميق، وإنك خايفة تخسر ابنك كمان. لكن الحب مش بيجي بالسيطرة ولا بالخوف. ليلى مش عدوّك، ولا حبها لأمها خصم لك. هي محتاجة تحبك وتحبها، ومحتاجة تجمع كل الحنان اللي عندكم. نعيمة سكتت شوية، وبعدين قالت بصوت خافت أنا كنت غاضبة من سلمى لما ماتت، حسيت إنها سرقت ابني وراحت، وسابت لي ليلى اللي كل ما أشوفها أتذكرها. وكنت خايفة إن أي حد يجي يحبها ياخدها مني زي ما خدت سلمى ابني. لكنك كشفتلي الحقيقة يا بنتي أنا كنت بعاقب الطفلة على غلط مش غلطها. من اليوم ده، تغيرت نعيمة تمامًا. زارت كريم وليلى، واعتذرت منهم، وبدأت تقضي وقت مع حفيدتها، وتحكي لها عن أمها بكل حب، وتقول لها إنها سعيدة بوجودها، وإن كل الحنان اللي تحتاجه متوفر لها. بعد أسبوع، أصدر القاضي حكمه النهائي بقاء حضانة ليلى لوالدها كريم، مع حق الجدة في زيارتها بانتظام، ورفض جميع الادعاءات بخصوص ندى لثبوت براءتها. مرت الأشهر، وعلاقة كريم وندى استمرت كأصدقاء مقربين، كانت تزورهم دائمًا، وليلى كانت بتفرح جدًا لما تشوفها، وتعتبرها صديقتها المقربة وملاذها الآمن. نعيمة كانت بتدعوها دائمًا لبيتهم، وتقول لها أنتِ اللي رجعت لنا البهجة يا بنتي، ولولا كلامك ما كنتش عرفت أخرج من الحزن والغضب اللي كانوا ماسكيني. في يوم من الأيام، كان كريم وندى وليلى في الحديقة، وهم بيلعبوا مع بعض، قال كريم لندى بصوت هادئ عرفتِ يا ندى، ما كانش صدفة إنك جيتي في اليوم ده. ولا صدفة إنك قبلتي تساعدينا. الحياة بتبعت لنا المساعدة من حيث ما نعرف ولا ما نعرفش، وكل محنة بتكون فيها منحة لو عرفنا نصبر ونصدق. ندى ابتسمت ونظرت لليلى اللي كانت بتجري وتضحك، وقالت الحق بيضل ظاهر مهما حاولنا نغطيه، والحب اللي بيعطيه الإنسان بييجي له من كل مكان. وكل ما كنا صادقين مع أنفسنا ومع غيرنا، كل ما كانت الحياة أجمل وأسهل. وبعد مرور سنة، أكملت ندى دراستها، وعملت في مركز لرعاية الأطفال المحتاجين، وكانت ليلى من أول المتطوعين الصغار معاها، بتعلم الأطفال كيف يضحكوا وكيف يثقوا في الناس من جديد. وعائلة المنشاوي أصبحت من أكبر الداعمين للمركز، وكل ما كانوا بيجوا يتبرعوا، كانوا بيقولوا كل خير نعمله هنا هو رد جميل لليوم اللي وقفت فيه امرأة بسيطة جنب طفلة محتاجة كلمة حنان، ووقفت بجانب الحق في وجه الظلم والخوف. وظلت ترابيزة رقم سبعة في مطعم ماريللو رمزًا لكل من يعرف القصة، وكل من يجلس فيها بيتذكر إن أجمل الطلبات وأصعبها هي اللي بتخرج من قلب صادق، وإن أقوى الصور مش اللي بتلتقط بالكاميرا، بل اللي بتعيش في القلوب وتغير مسارات الحياة. انتهت القصة