جوزي نسي
سمعته خلاني أتأكد إن الشخص التاني كان موجود فعلًا، ولسه داخل في الحوار.
تجمدت مكاني، وحاولت أسمع كلمة واحدة توضح لي الحقيقة…قربت خطوة صغيرة من الباب، وأنا بحاول أخلي نفسي ما أطلعش أي صوت.
الصوت كان واطي، لكن قدرت أميز صوت كريم.
قال بهدوء
أنا جبت كل الورق المطلوب… ومش هأمضي أي حاجة غير لما أتأكد إنها هتتنفذ زي ما اتفقنا.
رد عليه راجل صوته كبير في السن
اطمن… إحنا وعدناك، ووعدنا مش بيتغير.
اتعقدت أكتر.
ورق؟
إمضاء؟
واتفاق؟
فضلت واقفة أحاول أفهم.
بعد ثواني، سمعت صوت درج بيتفتح، وبعده صوت كريم وهو بيقول
دي آخر دفعة مني… وبعدها خلاص.
الراجل رد
أنت عملت اللي محدش كان هيعمله.
قلبي بدأ يهدى شوية، لكن فضولي زاد.
وفجأة…
سمعت صوت طفل صغير بيضحك من جوه البيت.
استغربت جدًا.
إيه علاقة طفل بالمكان ده؟
وبعدها طلع نفس الطفل يجري في الطرقة وهو بيقول بصوت عالي
عمو كريم… بص! أنا عرفت أكتب اسمي لوحدي.
سكت المكان كله.
وبعدين سمعت ضحكة كريم…
ضحكة صافية، من زمان ما سمعتهاش بالشكل ده.
قال للولد
برافو يا بطل… وعدتني المرة الجاية هتكتب الجملة كلها.
الولد جري عليه وحضنه، وكريم نزل لمستواه وربت على كتفه.
أنا كنت واقفة بره، مش فاهمة أي حاجة.
مين الولد ده؟
وليه بيناديه عمو كريم؟
وليه كريم عمره ما قالي إنه بييجي المكان ده؟
وفي اللحظة دي، الباب الداخلي اتفتح.
خرجت سيدة في الخمسينات، أول ما شافت كريم قالت
كل الأطفال مستنيينك… من امبارح وهم بيسألوا هتيجي إمتى.
الأطفال؟
بصيت من فتحة الباب…
ولمحت أكتر من طفل قاعدين حوالين ترابيزة، وفي إيديهم كراسات وأقلام.
لكن قبل ما أقدر أشوف أكتر…
اتفتح الباب الخارجي فجأة، وحد وقف في المدخل.
ورفع صوته وهو بيقول
حضرتك بتدوري على حد؟
رفعت عيني ببطء…
وكان الشخص واقف بيبصلي مباشرة، وكريم بدأ يلف برأسه ناحية
الباب…حاولت أتماسك، وابتسمت ابتسامة مرتبكة.
قلت بسرعة أنا… كنت بس بسأل على عنوان.
الراجل بصلي لحظة، وكأنه مش مقتنع، لكن قبل ما يرد، سمعت صوت كريم من جوه
مين يا أستاذ سامي؟
خطواته قربت من الباب.
في ثانية واحدة، لفيت وشي ناحية الشارع، وكأني فعلًا بدور على رقم بيت.
خرج كريم، وبص ناحيتي بسرعة.
قلبي كان هيقف.
لكنه اكتفى بنظرة سريعة، واضح إنه ماخدش باله إن دي عربيتي المركونة على الناحية التانية.
قال للراجل يمكن حد تايه… سيبها.
استغليت اللحظة ومشيت بهدوء لحد ما ركبت عربيتي.
لكن بدل ما أمشي، فضلت من بعيد أراقب المكان.
بعد حوالي ساعة، بدأ الأطفال يخرجوا واحد ورا التاني.
كل طفل كان خارج شايل كراسة أو كتاب، وبيودع كريم بابتسامة.
واحدة من الأمهات وقفت قدامه وقالت
ربنا يجازيك خير يا أستاذ كريم… ابني بقى يحب المذاكرة بسببك.
ابتسم كريم وقال أنا معملتش حاجة… هو اللي تعب.
الكلام طمني شوية…
لكن لسه السؤال الأكبر من غير إجابة.
إيه كانت الرسالة؟
امبارح كان أحلى يوم.
مين اللي بعتها؟
وليه؟
فضلت مستنية لحد ما المكان فضي تقريبًا.
وقبل ما كريم يركب عربيته، خرجت السيدة الكبيرة اللي كانت جوه، وناولته ظرف أبيض صغير.
قالت له دي وصلت النهارده… وقالوا لازم تسلمها بنفسك.
كريم أخد الظرف، وبص على المكتوب من بره.
وفجأة… اتغيرت ملامحه.
فتح الظرف بسرعة، وقرأ الورقة اللي جواه.
وبعدين رفع عينه للسماء، وكأنه بيحاول يستوعب اللي قراه.
بعدها طلع موبايله، وبص للشاشة شوية، لكنه مااتصلش بحد.
كل اللي عمله إنه حط الورقة تاني في الظرف، وأخده معاه وركب العربية.
وأنا… قررت أكمل وراه.
لأن إحساسي كان بيقولي إن الورقة دي هي مفتاح كل الأسرار… وإن اللي هيحصل بعد كده هيغير حياتنا إحنا الاتنين فضلت ماشية وراه، لكن المرة دي من مسافة أبعد.
كريم كان سايق بهدوء، وكأنه غارق في التفكير.
ولا مرة بص في المراية.
ولا مرة مسك الموبايل.
كل شوية كان يحط إيده على الظرف الأبيض اللي جنبه، كأنه خايف يضيعه.
بعد حوالي ربع ساعة، وقف قدام مكتبة كبيرة.
نزل، ودخل بسرعة.
استنيت دقيقة… واتنين… ولما اتأخر، نزلت أنا كمان.
دخلت المكتبة من غير ما يشوفني.
لقيته واقف في قسم الأدوات المدرسية، وبيختار كراسات وأقلام وألوان وشنط صغيرة.
استغربت.
بعدها راح للكاشير، وطلع كارت من محفظته، ودفع الحساب.
الكاشير ابتسم وقال
كالعادة يا أستاذ كريم… هنجهز الباقي بكرة.
رد كريم وهو بيهز راسه
تمام… بس متنسوش المقاسات اللي اتفقنا عليها.
خرج من المكتبة، وأنا فضلت واقفة مكاني.
كل ما أعرف حاجة، ألاقي قدامها عشر أسئلة جديدة.
ركبت عربيتي من تاني، ولحقت به.
المرة دي راح لبنك.
دخل، وقعد حوالي نص ساعة.
ولما خرج، كان معاه ملف شفاف فيه أوراق مختومة.
ركب عربيته، لكنه ما مشيش.
فضل قاعد يبص في صورة على موبايله.
رغم إني كنت بعيدة، قدرت أشوف إنه كان مبتسم.
مش ابتسامة واحد بيخبي حاجة غلط…
لكن ابتسامة فيها راحة.
بعدها أخد نفسًا عميقًا، وحط الموبايل في جيبه.
وفجأة…
الموبايل بتاعي رن.
رقم مجهول.
رديت بحذر
ألو؟
جالي صوت ست كبيرة في السن.
قالت بهدوء
إنتِ مدام سارة؟
قلبي دق بسرعة.
أيوة… مين معايا؟
سكتت ثانيتين، وبعدين قالت
أنا عارفة إنك من الصبح ماشية ورا كريم… وعارفة إنك شفتي الرسالة على ساعته.
اتجمدت.
إزاي عرفت؟
أنا ماقولتش لحد.
كملت السيدة كلامها بنبرة هادئة
بلعت ريقي بصعوبة، ولسه هسألها مين هي…
لكنها قالت جملة واحدة قبل ما تقفل الخط
لو عايزة تعرفي الحقيقة… روحي البيت، وافتحي الدرج اللي تحت السرير. هتلاقي حاجة كان كريم مخبيها من تسع سنين… مش عشان يكذب عليكي، لكن عشان كان بينفذ وعد قطعه على نفسه.
وأغلقت الخط.
وقفت مكاني، وأنا مش عارفة أرجع البيت…
ولا أفضل أكمل وراه وقفت بإيدي على الدريكسيون، وعقلي بيلف في ألف اتجاه.
أرجع البيت وأفتح الدرج؟
ولا أكمل ورا كريم وأعرف هو رايح فين؟
بعد ثواني، شغلت العربية وقررت أرجع.
لو فعلًا فيه حاجة مخبية من تسع سنين، أكيد هتبقى أهم من أي مكان رايح له دلوقتي.
وصلت البيت بسرعة، وطلعت السلم وأنا حاسة إن دقات قلبي مسموعة في العمارة كلها.
دخلت الشقة، وقفلت الباب.
الأوضة كانت هادية بشكل غريب.
ركعت قدام السرير، وسحبت الدرج اللي الست قالت عليه.
كان مليان ملايات شتوية وصندوق خشب صغير.
الصندوق كان قديم، وعليه طبقة تراب خفيفة.
استغربت…
أنا عمري ما شوفته قبل كده.
فتحته ببطء.
كان جواه مجموعة صور قديمة، وبعض الإيصالات، ومفكرة جلد بني.
فتحت أول صفحة.
كان مكتوب بخط كريم
لو سارة فتحت الدفتر ده قبل ما أحكيلها بنفسي، يبقى الظروف سبقتني.
شهقت من غير ما أحس.
قلبت الصفحة اللي بعدها.
كانت مليانة تواريخ.
وأمام كل تاريخ مبلغ مالي.
وفي آخر كل سطر اسم شخص مختلف.
مش فاهمة أي حاجة.
فضلت أقلب لحد ما لقيت صفحة مكتوب فيها بخط كبير
مشروع يوم الأمل.
وتحتها عشرات الأسماء.
بعضها عليه علامة صح، وبعضها لأ.
وفجأة… لقيت ظرف صغير واقع بين الصفحات.
كان مكتوب عليه
لسه بدري.
لسه همد إيدي أفتحه…
سمعت صوت مفتاح باب الشقة بيلف في الكالون.
بصيت في الساعة.
كريم رجع بدري جدًا…
وده عمره ما حصل.
قفلت الدفتر بسرعة، لكن الظرف الصغير وقع على الأرض.
وفي نفس اللحظة…
باب الشقة اتفتح، وسمعت صوت خطواته بتقرب من أوضة النوم.
وقفت مكاني، والصندوق لسه مفتوح قدامي…
ولأول مرة، حسيت إن اللحظة اللي كنت بخاف منها خلاص وصلت اتجمدت مكاني.
خطوات كريم كانت بتقرب من أوضة النوم واحدة واحدة.
بسرعة حطيت الدفتر جوه الصندوق، لكن الظرف الصغير كان لسه واقع تحت السرير.
انحنيت آخده. ..
وفي نفس اللحظة وقف كريم عند باب الأوضة.
فضل ساكت ثواني.
بصلي… وبص للصندوق… وبعدين قال بهدوء غريب
كنتي بتدوري على حاجة؟
رفعت عيني ناحيته، وحاولت أخبي ارتباكي.
قلت




