كان الصبح عادي جدًا... أو على الأقل ده اللي افتكرته أول ما صحيت. أنا وجوزي كريم متجوزين بقالنا تسع سنين. طول عمرنا الناس كانت بتقول إننا مثال للثقة، والحقيقة إن عمري ما فتشت وراه، ولا فتحت موبايله، ولا حتى سألته رايح فين أو جاي منين. كنت دايمًا مؤمنة إن اللي بينا أكبر من أي شك. الصبح ده كنت واقفة في المطبخ بجهز الفطار، وهو فوق بيغير هدومه عشان ينزل شغله. وأنا بحط القهوة في المجات، لمحت ساعته السمارت مركونة على الشاحن. استغربت... كريم عمره ما بينزل من غيرها. قبل ما أنادي عليه، شاشة الساعة نورت بإشعار جديد. امبارح كان أحلى يوم. وقفت مكاني. الجملة كانت قصيرة جدًا... لكن وقعت على قلبي تقيلة. مفيش اسم، ولا صورة، ولا أي حاجة تعرفني مين اللي بعتها. فضلت باصة للساعة ثواني، يمكن يظهر إشعار تاني يوضح المقصود... لكن الشاشة طفت تاني. حاولت أقنع نفسي إنها رسالة عادية. يمكن من زميل في الشغل بعد ما خلصوا مشروع. يمكن من حد من العيلة بعد مناسبة. يمكن حتى جروب واتساب. لكن عقلي، لأول مرة من سنين، رفض يقتنع بسهولة. افتكرت إنه امبارح رجع متأخر جدًا، وقال إن اليوم كان مرهق بسبب ضغط الشغل. ولما سألته إذا كان أكل، ضحك وقال بعدين يا سارة... نفسي أنام بس. نزل بعدها بدقايق، لابس هدومه، واخد مفاتيحه، وباسني على خدي كعادته. مد إيده خد الساعة من على الشاحن، من غير ما يعرف إني شوفت الرسالة. وقعد يفطر بهدوء، وكأنه ولا في أي حاجة حصلت. وسط الفطار قال ممكن أتأخر النهارده شوية... عندي مشوار مهم بعد الشغل. رفعت عيني وبصيتله. دي أول مرة يقول مشوار من غير ما يشرح هو إيه. ابتسم ابتسامة هادية، شرب آخر رشفة قهوة، وقام. أول ما خرج من باب الشقة، استنيت دقيقة كاملة. بعدها مسكت مفاتيح عربيتي... ونزلت وراه. كنت محافظة على مسافة بيني وبينه عشان ما ياخدش باله. فضل سايق حوالي نص ساعة، والغريب إنه ما راحش ناحية الشركة. دخل شارع هادي، وبعدها وقف قدام مبنى قديم مكون من خمس أدوار. ماكانش مطعم... ولا كافيه... ولا شركة. نزل من العربية، وبص حواليه كأنه بيتأكد من رقم المكان. وبعدين طلع من جيبه ظرف بني كبير، وطلع السلم بسرعة. فضلت قاعدة في عربيتي أبص عليه وهو بيختفي جوه العمارة. بعد أقل من دقيقتين... وقفت عربية إسعاف قدام نفس المبنى. ونزل منها اتنين مسعفين شايلين شنطة إسعافات كبيرة، وجروا لنفس المدخل اللي كريم دخله...فضلت واقفة ورا الحيطة، مش قادرة أقرر أدخل ولا أمشي. كل اللي كنت أعرفه إن كريم كان بيعيش جزء من حياته بعيد عني... لكن ليه؟ بعد شوية، المسعفين خرجوا بعم حسن على الترولي، ونزلوه بسرعة لعربية الإسعاف. كريم نزل معاهم، واتأكد إنهم اتحركوا، وبعدها رجع تاني للشقة. استغربت... لو كان مجرد جار أو معرفة، كان اكتفى إنه يطمن عليه. لكن رجوعه للشقة خلاني أحس إن فيه حاجة أهم لسه مخلصتش. استنيت دقيقة، وبعدها طلعت لحد باب الشقة المفتوح. من مكاني سمعت صوت الست الكبيرة بتقول له كنت ناوية أقولها... بس كل مرة كنت تمنعني. رد كريم بسرعة، وصوته كان مليان قلق لأ... مش دلوقتي. اتسمرت مكاني. يقولها إيه؟ ومين اللي كان يقصدها؟ أنا؟ ولا شخص تاني؟ الست سكتت لحظة، وبعدين قالت هي لو عرفت الحقيقة من حد غيرك... هتزعل منك أكتر. حسيت إن قلبي بيدق بعنف. إيه الحقيقة اللي ممكن تتخبى عني تسع سنين؟ وقبل ما أقدر أقرب أكتر، سمعت صوت كرسي بيتحرك. عرفت إن كريم بيتجه ناحية الباب. رجعت بسرعة ووقفت جنب السلم، مستخبية ورا العمود. خرج وهو ماسك نفس الظرف البني... لكن المرة دي كان فاضي. بص حواليه كأنه بيدور على حد. ثواني... ولأول مرة من ساعة ما تبعته، حسيت إنه بدأ يشك إن فيه حد بيراقبه. رفع عينه ناحية السلم... واتقابلت عينه بالمكان اللي أنا مستخبية وراه. حبست نفسي، وما اتحركتش. مرّت ثواني طويلة كأنها ساعات... وبعدين نزل السلم ببطء، وهو بيطلع موبايله ويتصل بحد. كل اللي قدرت أسمعه قبل ما يبعد كان جملة واحدة واضح إن الوقت خلاص قرب... ومبقاش ينفع نخبي الموضوع أكتر من كده. جمدت في مكاني. أي موضوع؟ وقبل ما أستوعب اللي سمعته، اهتز موبايلي في إيدي. رسالة وصلت من رقم مجهول... فتحتها بسرعة، فاتفاجئت إنها بتقول لو بتحبي جوزك بجد... متكمليش وراه النهارده فضلت مكاني، ماسكة الدريكسيون بإيديا الاتنين لدرجة إن صوابعي وجعتني. كل الأفكار الوحشة اللي كانت في دماغي اختفت فجأة. إيه اللي بيحصل؟ وليه كريم موجود هنا؟ وليه عربية الإسعاف جات وراه بدقايق؟ نزلت من عربيتي بهدوء، وقفلت الباب من غير صوت، وقربت ناحية العمارة. كان الباب الخارجي مفتوح. دخلت وأنا بحاول أمشي على أطراف صوابعي. سمعت صوت حركة فوق، وكلام متداخل، لكن ماقدرتش أفهم حاجة. طلعت أول دور... مفيش. تاني دور... برضه مفيش. لحد ما وصلت التالت. كان باب إحدى الشقق مفتوح نص فتحة. وقفت بعيد شوية، ومن مكاني قدرت أشوف كريم. كان واقف جنب راجل كبير في السن، واضح عليه التعب، ووشه شاحب جدًا. المسعفين كانوا بيقيسوا الضغط، وبيجهزوا جهاز صغير، بينما كريم كان ماسك إيد الراجل وبيحاول يهديه. سمعته بيقول بصوت هادي اطمن يا عم حسن... العربية تحت، وهيروحوا بيك المستشفى حالًا. الراجل بصله بعين مليانة امتنان، وقال بصعوبة لو ماكنتش لحقتني... كان زماني مت. اتجمدت مكاني. مين عم حسن؟ وإزاي كريم يعرفه؟ وليه عمره ما جاب سيرته قدامي؟ وقبل ما ألحق أفكر، خرجت ست كبيرة من أوضة جوه الشقة وهي بتمسح دموعها. أول ما شافت كريم، قالت ربنا يكرمك يا ابني... زي كل مرة، أول واحد بيجي لما نتصل بيك. الجملة خبطتني. زي كل مرة؟ يعني كريم بييجي هنا باستمرار... لكن ليه مخبي عليا؟ فضلت مستخبية ورا الحيطة، وأنا حاسة إن كل اللي كنت متخيلاه عن الرسالة، وعن تأخره، بدأ يتغير... لكن في نفس الوقت، الأسئلة بقت أكتر من الأول اتجمدت وأنا ببص للرسالة. الرقم مجهول. لا صورة... ولا اسم... ولا أي حاجة تدل على صاحبه. بصيت حواليّا بسرعة. مين يعرف إني هنا؟ أنا نزلت وراه من غير ما أقول لحد. ولا حتى أخدت بالي إن في حد ممكن يكون شايفني. رفعت عيني أدور في الشارع. ست واقفة عند الفرن. راجل بيسوق عجلة. اتنين شباب قاعدين على الرصيف. كل واحد فيهم بقى بالنسبة لي احتمال. رجعت بصيت على الشاشة. فضلت الرسالة مفتوحة قدامي، وإصبعي واقف فوق زر الاتصال، لكن عرفت إن الرقم مقفول أول ما حاولت أتصل. في اللحظة دي خرج كريم من العمارة. ركب عربيته، لكنه ما اتحركش. فضل قاعد دقيقة كاملة، وكأنه مستني حد. بعدها وصلت عربية تاكسي. نزل منها شاب في أواخر العشرينات، شايل شنطة أوراق كبيرة. راح ناحية كريم، وفتح الشنطة، وبدأ يراجعه في كام ورقة. ماكنتش شايفة التفاصيل، لكن واضح إنهم بيتكلموا في حاجة مهمة. بعد خمس دقايق، كريم أخد ملف أزرق، وحطه على الكرسي اللي جنبه. الشاب ركب التاكسي ومشي. أما كريم، فتح الملف بسرعة، وبص في أول ورقة... وفجأة حط إيده على وشه، وقعد كام ثانية من غير ما يتحرك. أول مرة أشوفه بالشكل ده. كان شكله مرهق... ومضغوط... وكأنه شايل حمل أكبر منه. بعدها قفل الملف، وأدار العربية. فضلت ماشية وراه تاني. المرة دي وصل لمنطقة هادئة كلها فلل قديمة. وقف قدام بيت صغير بس واضح إنه متقفل من سنين. نزل من العربية، وطلع مفتاح من جيبه. الغريب... إنه فتح الباب بسهولة، كأنه بيملكه. دخل، وساب الباب موارب. استنيت دقيقتين. ثلاثة. خمسة. لكن ماخرجش. فضولي غلبني. نزلت من عربيتي، وقربت ناحية البيت بخطوات بطيئة. أول ما وصلت عند الباب، سمعت صوت كريم من جوه. كان بيتكلم مع حد... لكن الرد اللي لمحة نيوز سمعته خلاني أتأكد إن الشخص التاني كان موجود فعلًا، ولسه داخل في الحوار. تجمدت مكاني، وحاولت أسمع كلمة واحدة توضح لي الحقيقة...قربت خطوة صغيرة من الباب، وأنا بحاول أخلي نفسي ما أطلعش أي صوت. الصوت كان واطي، لكن قدرت أميز صوت كريم. قال بهدوء أنا جبت كل الورق المطلوب... ومش هأمضي أي حاجة غير لما أتأكد إنها هتتنفذ زي ما اتفقنا. رد عليه راجل صوته كبير في السن اطمن... إحنا وعدناك، ووعدنا مش بيتغير. اتعقدت أكتر. ورق؟ إمضاء؟ واتفاق؟ فضلت واقفة أحاول أفهم. بعد ثواني، سمعت صوت درج بيتفتح، وبعده صوت كريم وهو بيقول دي آخر دفعة مني... وبعدها خلاص. الراجل رد أنت عملت اللي محدش كان هيعمله. قلبي بدأ يهدى شوية، لكن فضولي زاد. وفجأة... سمعت صوت طفل صغير بيضحك من جوه البيت. استغربت جدًا. إيه علاقة طفل بالمكان ده؟ وبعدها طلع نفس الطفل يجري في الطرقة وهو بيقول بصوت عالي عمو كريم... بص! أنا عرفت أكتب اسمي لوحدي. سكت المكان كله. وبعدين سمعت ضحكة كريم... ضحكة صافية، من زمان ما سمعتهاش بالشكل ده. قال للولد برافو يا بطل... وعدتني المرة الجاية هتكتب الجملة كلها. الولد جري عليه وحضنه، وكريم نزل لمستواه وربت على كتفه. أنا كنت واقفة بره، مش فاهمة أي حاجة. مين الولد ده؟ وليه بيناديه عمو كريم؟ وليه كريم عمره ما قالي إنه بييجي المكان ده؟ وفي اللحظة دي، الباب الداخلي اتفتح. خرجت سيدة في الخمسينات، أول ما شافت كريم قالت كل الأطفال مستنيينك... من امبارح وهم بيسألوا هتيجي إمتى. الأطفال؟ بصيت من فتحة الباب... ولمحت أكتر من طفل قاعدين حوالين ترابيزة، وفي إيديهم كراسات وأقلام. لكن قبل ما أقدر أشوف أكتر... اتفتح الباب الخارجي فجأة، وحد وقف في المدخل. ورفع صوته وهو بيقول حضرتك بتدوري على حد؟ رفعت عيني ببطء... وكان الشخص واقف بيبصلي مباشرة، وكريم بدأ يلف برأسه ناحية الباب...حاولت أتماسك، وابتسمت ابتسامة مرتبكة. قلت بسرعة أنا... كنت بس بسأل على عنوان. الراجل بصلي لحظة، وكأنه مش مقتنع، لكن قبل ما يرد، سمعت صوت كريم من جوه مين يا أستاذ سامي؟ خطواته قربت من الباب. في ثانية واحدة، لفيت وشي ناحية الشارع، وكأني فعلًا بدور على رقم بيت. خرج كريم، وبص ناحيتي بسرعة. قلبي كان هيقف. لكنه اكتفى بنظرة سريعة، واضح إنه ماخدش باله إن دي عربيتي المركونة على الناحية التانية. قال للراجل يمكن حد تايه... سيبها. استغليت اللحظة ومشيت بهدوء لحد ما ركبت عربيتي. لكن بدل ما أمشي، فضلت من بعيد أراقب المكان. بعد حوالي ساعة، بدأ الأطفال يخرجوا واحد ورا التاني. كل طفل كان خارج شايل كراسة أو كتاب، وبيودع كريم بابتسامة. واحدة من الأمهات وقفت قدامه وقالت ربنا يجازيك خير يا أستاذ كريم... ابني بقى يحب المذاكرة بسببك. ابتسم كريم وقال أنا معملتش حاجة... هو اللي تعب. الكلام طمني شوية... لكن لسه السؤال الأكبر من غير إجابة. إيه كانت الرسالة؟ امبارح كان أحلى يوم. مين اللي بعتها؟ وليه؟ فضلت مستنية لحد ما المكان فضي تقريبًا. وقبل ما كريم يركب عربيته، خرجت السيدة الكبيرة اللي كانت جوه، وناولته ظرف أبيض صغير. قالت له دي وصلت النهارده... وقالوا لازم تسلمها بنفسك. كريم أخد الظرف، وبص على المكتوب من بره. وفجأة... اتغيرت ملامحه. فتح الظرف بسرعة، وقرأ الورقة اللي جواه. وبعدين رفع عينه للسماء، وكأنه بيحاول يستوعب اللي قراه. بعدها طلع موبايله، وبص للشاشة شوية، لكنه مااتصلش بحد. كل اللي عمله إنه حط الورقة تاني في الظرف، وأخده معاه وركب العربية. وأنا... قررت أكمل وراه. لأن إحساسي كان بيقولي إن الورقة دي هي مفتاح كل الأسرار... وإن اللي هيحصل بعد كده هيغير حياتنا إحنا الاتنين فضلت ماشية وراه، لكن المرة دي من مسافة أبعد. كريم كان سايق بهدوء، وكأنه غارق في التفكير. ولا مرة بص في المراية. ولا مرة مسك الموبايل. كل شوية كان يحط إيده على الظرف الأبيض اللي جنبه، كأنه خايف يضيعه. بعد حوالي ربع ساعة، وقف قدام مكتبة كبيرة. نزل، ودخل بسرعة. استنيت دقيقة... واتنين... ولما اتأخر، نزلت أنا كمان. دخلت المكتبة من غير ما يشوفني. لقيته واقف في قسم الأدوات المدرسية، وبيختار كراسات وأقلام وألوان وشنط صغيرة. استغربت. بعدها راح للكاشير، وطلع كارت من محفظته، ودفع الحساب. الكاشير ابتسم وقال كالعادة يا أستاذ كريم... هنجهز الباقي بكرة. رد كريم وهو بيهز راسه تمام... بس متنسوش المقاسات اللي اتفقنا عليها. خرج من المكتبة، وأنا فضلت واقفة مكاني. كل ما أعرف حاجة، ألاقي قدامها عشر أسئلة جديدة. ركبت عربيتي من تاني، ولحقت به. المرة دي راح لبنك. دخل، وقعد حوالي نص ساعة. ولما خرج، كان معاه ملف شفاف فيه أوراق مختومة. ركب عربيته، لكنه ما مشيش. فضل قاعد يبص في صورة على موبايله. رغم إني كنت بعيدة، قدرت أشوف إنه كان مبتسم. مش ابتسامة واحد بيخبي حاجة غلط... لكن ابتسامة فيها راحة. بعدها أخد نفسًا عميقًا، وحط الموبايل في جيبه. وفجأة... الموبايل بتاعي رن. رقم مجهول. رديت بحذر ألو؟ جالي صوت ست كبيرة في السن. قالت بهدوء إنتِ مدام سارة؟ قلبي دق بسرعة. أيوة... مين معايا؟ سكتت ثانيتين، وبعدين قالت أنا عارفة إنك من الصبح ماشية ورا كريم... وعارفة إنك شفتي الرسالة على ساعته. اتجمدت. إزاي عرفت؟ أنا ماقولتش لحد. كملت السيدة كلامها بنبرة هادئة بلعت ريقي بصعوبة، ولسه هسألها مين هي... لكنها قالت جملة واحدة قبل ما تقفل الخط لو عايزة تعرفي الحقيقة... روحي البيت، وافتحي الدرج اللي تحت السرير. هتلاقي حاجة كان كريم مخبيها من تسع سنين... مش عشان يكذب عليكي، لكن عشان كان بينفذ وعد قطعه على نفسه. وأغلقت الخط. وقفت مكاني، وأنا مش عارفة أرجع البيت... ولا أفضل أكمل وراه وقفت بإيدي على الدريكسيون، وعقلي بيلف في ألف اتجاه. أرجع البيت وأفتح الدرج؟ ولا أكمل ورا كريم وأعرف هو رايح فين؟ بعد ثواني، شغلت العربية وقررت أرجع. لو فعلًا فيه حاجة مخبية من تسع سنين، أكيد هتبقى أهم من أي مكان رايح له دلوقتي. وصلت البيت بسرعة، وطلعت السلم وأنا حاسة إن دقات قلبي مسموعة في العمارة كلها. دخلت الشقة، وقفلت الباب. الأوضة كانت هادية بشكل غريب. ركعت قدام السرير، وسحبت الدرج اللي الست قالت عليه. كان مليان ملايات شتوية وصندوق خشب صغير. الصندوق كان قديم، وعليه طبقة تراب خفيفة. استغربت... أنا عمري ما شوفته قبل كده. فتحته ببطء. كان جواه مجموعة صور قديمة، وبعض الإيصالات، ومفكرة جلد بني. فتحت أول صفحة. كان مكتوب بخط كريم لو سارة فتحت الدفتر ده قبل ما أحكيلها بنفسي، يبقى الظروف سبقتني. شهقت من غير ما أحس. قلبت الصفحة اللي بعدها. كانت مليانة تواريخ. وأمام كل تاريخ مبلغ مالي. وفي آخر كل سطر اسم شخص مختلف. مش فاهمة أي حاجة. فضلت أقلب لحد ما لقيت صفحة مكتوب فيها بخط كبير مشروع يوم الأمل. وتحتها عشرات الأسماء. بعضها عليه علامة صح، وبعضها لأ. وفجأة... لقيت ظرف صغير واقع بين الصفحات. كان مكتوب عليه لسه بدري. لسه همد إيدي أفتحه... سمعت صوت مفتاح باب الشقة بيلف في الكالون. بصيت في الساعة. كريم رجع بدري جدًا... وده عمره ما حصل. قفلت الدفتر بسرعة، لكن الظرف الصغير وقع على الأرض. وفي نفس اللحظة... باب الشقة اتفتح، وسمعت صوت خطواته بتقرب من أوضة النوم. وقفت مكاني، والصندوق لسه مفتوح قدامي... ولأول مرة، حسيت إن اللحظة اللي كنت بخاف منها خلاص وصلت اتجمدت مكاني. خطوات كريم كانت بتقرب من أوضة النوم واحدة واحدة. بسرعة حطيت الدفتر جوه الصندوق، لكن الظرف الصغير كان لسه واقع تحت السرير. انحنيت آخده. .. وفي نفس اللحظة وقف كريم عند باب الأوضة. فضل ساكت ثواني. بصلي... وبص للصندوق... وبعدين قال بهدوء غريب كنتي بتدوري على حاجة؟ رفعت عيني ناحيته، وحاولت أخبي ارتباكي. قلت كنت بدور على بطانية. ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنه واضح إنه ما اقتنعش. دخل الأوضة، وقعد على طرف السرير. قال من غير ما يبصلي فيه أسئلة كتير في دماغك... صح؟ ماعرفتش أرد. كل اللي قدرت أعمله إني هزيت راسي. سكت شوية، وبعدين طلع الظرف الأبيض اللي كان معاه من جيبه، وحطه على السرير. وقال الورقة دي وصلت النهارده... وهي السبب إني قررت ما أأجلش الكلام أكتر. حسيت إن اللحظة اللي كنت مستنياها أخيرًا جت. مد إيده ناحية الظرف... لكن قبل ما يفتحه، جرس الباب رن. بصينا إحنا الاتنين ناحية الباب. الجرس رن مرة... واتنين... وتلاتة... بإلحاح غريب. قام كريم بسرعة، واتجه للباب. وأنا خرجت وراه. أول ما فتح... كان فيه شاب واقف، هدومه كلها تراب، ونفسه مقطوع كأنه كان بيجري. أول ما شاف كريم قال بانفعال أستاذ كريم... لازم تيجي حالًا. اتغير لون وش كريم. قال بقلق إيه اللي حصل؟ الشاب بلع ريقه وقال المكان... حصل فيه حريق. قلبي وقع. أي مكان؟ المبنى اللي كنت فيه الصبح؟ ولا البيت اللي فيه الأطفال؟ ولا مكان تاني أنا أصلًا ماعرفوش؟ كريم جرى من غير حتى ما يشرحلي، لكن قبل ما يخرج، لف ناحيتي وقال جملة واحدة لو بتثقي فيا... استنيني. ولما أرجع هقولك كل حاجة. وقفلت الباب وراه. فضلت باصة على الظرف الأبيض اللي كان سايبه فوق السرير... ولأول مرة، بقيت قدام اختيار صعب أستنى كريم يرجع... ولا أفتح الظرف وأعرف الحقيقة بنفسي؟وقفت بإيدي على الدريكسيون، وعقلي بيلف في ألف اتجاه. أرجع البيت وأفتح الدرج؟ ولا أكمل ورا كريم وأعرف هو رايح فين؟ بعد ثواني، شغلت العربية وقررت أرجع. لو فعلًا فيه حاجة مخبية من تسع سنين، أكيد هتبقى أهم من أي مكان رايح له دلوقتي. وصلت البيت بسرعة، وطلعت السلم وأنا حاسة إن دقات قلبي مسموعة في العمارة كلها. دخلت الشقة، وقفلت الباب. الأوضة كانت هادية بشكل غريب. ركعت قدام السرير، وسحبت الدرج اللي الست قالت عليه. كان مليان ملايات شتوية وصندوق خشب صغير. الصندوق كان قديم، وعليه طبقة تراب خفيفة. استغربت... أنا عمري ما شوفته قبل كده. فتحته ببطء. كان جواه مجموعة صور قديمة، وبعض الإيصالات، ومفكرة جلد بني. فتحت أول صفحة. كان مكتوب بخط كريم لو سارة فتحت الدفتر ده قبل ما أحكيلها بنفسي، يبقى الظروف سبقتني. شهقت من غير ما أحس. قلبت الصفحة اللي بعدها. كانت مليانة تواريخ. وأمام كل تاريخ مبلغ مالي. وفي آخر كل سطر اسم شخص مختلف. مش فاهمة أي حاجة. فضلت أقلب لحد ما لقيت صفحة مكتوب فيها بخط كبير مشروع يوم الأمل. وتحتها عشرات الأسماء. بعضها عليه علامة صح، وبعضها لأ. وفجأة... لقيت ظرف صغير واقع بين الصفحات. كان مكتوب عليه لسه بدري. لسه همد إيدي أفتحه... سمعت صوت مفتاح باب الشقة بيلف في الكالون. بصيت في الساعة. كريم رجع بدري جدًا... وده عمره ما حصل. قفلت الدفتر بسرعة، لكن الظرف الصغير وقع على الأرض. وفي نفس اللحظة... باب الشقة اتفتح، وسمعت صوت خطواته بتقرب من أوضة النوم. وقفت مكاني، والصندوق لسه مفتوح قدامي... ولأول مرة، حسيت إن اللحظة اللي كنت بخاف منها خلاص وصلت وقفت قدام السرير، وعيني على الظرف الأبيض. إيدي اتحركت ناحيته أكتر من مرة... لكن كل مرة كنت أفتكر آخر جملة قالها لو بتثقي فيا... استنيني. رجعت إيدي. قعدت على طرف السرير، والدقايق كانت بتمشي أبطأ من أي وقت. عدت ساعة... وبعدين ساعة تانية. ولا اتصال. ولا رسالة. بدأ القلق ياكلني من جوا. وفجأة، موبايلي رن. كان كريم. رديت بسرعة أنت كويس؟ سمعت صوته مرهق، لكنه مطمن أنا بخير... بس هتأخر شوية. قبل ما أسأله أي حاجة، قال سارة... متفتحيش الظرف. بصيت للظرف اللي قدامي. وسألته ليه؟ سكت لحظة، وقال لأن فيه حاجة لازم تشوفيها الأول. وقبل ما يكمل... الخط اتقطع. فضلت أحاول أكلمه، لكن مفيش شبكة. بعد حوالي نص ساعة، سمعت صوت عربية وقفت تحت البيت. جريت للبلكونة. كانت عربية كريم. نزل منها هو... ومعاه نفس الشاب اللي جه يناديه. لكن الغريب... كانوا شايلين صندوق خشب كبير. نزلت بسرعة أفتح لهم الباب. أول ما دخلوا، كريم كان تعبان جدًا، ووشه كله سخام كأنه كان وسط دخان. حط الصندوق في الصالة، وقعد ياخد نفسه. أنا بصيت للصندوق. كان قديم جدًا. وعليه لوحة نحاس صغيرة مكتوب عليها مشروع يوم الأمل الدفعة الأولى. الكلمة دي رجعت تاني. نفس الاسم اللي كان مكتوب في المفكرة. بصيت لكريم، ولسه هسأله... لكن هو سبقني وقال قبل ما أشرح أي حاجة... افتحي الصندوق. ركعت قدامه. كان مقفول بقفل معدني صغير. كريم طلع مفتاح من سلسلة مفاتيحه، واداهولي. إيدي كانت بتترعش وأنا بحط المفتاح. لفيته ببطء... وصوت القفل وهو بيفتح ملأ المكان. رفعت الغطا... واتسمرت مكاني من اللي شفته جواه. رفعت عيني بسرعة ناحية كريم... وهو أول ما شاف رد فعلي، عرف إني فهمت جزءًا من الحقيقة... لكن لسه الجزء الأكبر ما اتقالش فضلت باصة جوه الصندوق وأنا مش مستوعبة. كان مليان كراسات قديمة، ورسومات أطفال، وخطابات مكتوبة بإيد صغيرة. كل خطاب عليه اسم طفل وتاريخ مختلف. مديت إيدي وخدت أول واحد. فتحته بهدوء. كان مكتوب فيه شكرًا يا عمو كريم... أنا أول مرة حد يجيبلي شنطة مدرسة جديدة. حسيت بغصة في حلقي. فتحت التاني. أنا نجحت، وهفضل فاكر إنك وعدتني لو جبت امتياز هتجيبلي عجلة. والتالت... ماما بتقول إنك أنقذتنا يوم ما بابا تعب. رفعت عيني ناحية كريم. قلت بصوت واطي إيه كل ده؟ ابتسم ابتسامة هادية، لكن قبل ما يرد، لفت نظري حاجة في آخر الصندوق. إطار صورة كبير ملفوف بقماش أبيض. شيلته ببطء. أول ما كشفت عنه... لقيت صورة جماعية. كريم واقف في النص. وحواليه عشرات الأطفال، وكلهم بيضحكوا. وخلفهم لافتة كبيرة مكتوب عليها يوم الأمل السنوي. قلبت الصورة. على ضهرها كان مكتوب أول يوم وعدتنا إنك مش هتسيبنا لوحدنا. اتنفست ببطء، ولسه هسأله عن الوعد... لكن موبايله رن. بص للشاشة، واتغيرت ملامحه. رد بسرعة أيوه يا أستاذ سامي... حصل إيه؟ سكت يسمع. وفجأة وقف من مكانه. قال بصدمة إيه؟! إزاي اختفى؟ أنا بصيتله بخضة. قفل المكالمة، وأخد مفاتيحه. قلت بسرعة في إيه؟ بصلي لحظة، وكأنه محتار يقول ولا لأ. ثم قال واحد من الملفات المهمة مش موجود. سألته ملفات إيه؟ هز راسه وقال كل حاجة هتبوظ لو الملف ده وقع في إيد الشخص الغلط. وقبل ما أستوعب كلامه... بص فجأة على الصندوق. اتغير لون وشه. وقرب بسرعة، وبدأ يقلب في الكراسات والخطابات بعصبية. سألته بتدور على إيه؟ رد وهو بيقلب الصندوق كان فيه ظرف بني صغير هنا... قلبي دق بعنف. افتكرت الظرف اللي وقع من المفكرة تحت السرير. اللي لحد دلوقتي... ما فتحتهوش اتسمرت مكاني. الظرف... أنا كنت شوفته بعيني، لكنه وقع تحت السرير وقت ما كريم دخل الأوضة، وبعد الزحمة والاتصالات نسيناه إحنا الاتنين. بصيت لكريم، وسألته بهدوء هو الظرف ده مهم للدرجة؟ رفع عينه ناحيتي لأول مرة من ساعة ما بدأ يدور. وقال بجدية أهم مما تتخيلي. قلبي دق أسرع. قلت أنا فاكرة إنه وقع تحت السرير. وقف كريم فجأة. متأكدة؟ هزيت راسي. جرينا سوا على أوضة النوم. ركع كريم على الأرض، ومد إيده تحت السرير. ثواني... طلع الظرف. بص عليه وكأنه اتطمن إنه لسه مقفول. تنهد براحة، وقال الحمد لله. كنت هموت من الفضول. قلت له هو فيه إيه جواه؟ بصلي، وسكت. وبعدين قال كنت ناوي أفتحه معاكي الليلة. لسه هيفتحه... لكن جرس الباب رن تاني. المرة دي الرنة كانت هادية. كريم بص من عين الباب، واتغيرت ملامحه. فتح الباب بسرعة. كان عم حسن... الراجل الكبير اللي شوفته في العمارة. لكن المرة دي كان واقف على رجليه، ومعاه بنت صغيرة ماسكة إيده. البنت أول ما شافت كريم، جريت عليه وهي بتضحك. قالت عمو كريم... أنا نجحت. ابتسم كريم، وشالها. أما عم حسن، فبص ناحيتي وقال أخيرًا شرفتينا يا بنتي. استغربت. إنت تعرفني؟ ابتسم وقال أعرف عنك من سنين... لكن كريم كان دايمًا يقول لسه الوقت مجاش. الكلمة دي اتكررت تاني. لسه الوقت مجاش. حسيت إن كل الناس حواليا عارفين حاجة وأنا الوحيدة اللي عايشة براها. وقبل ما حد يتكلم... البنت الصغيرة شافت الظرف في إيد كريم. ابتسمت وقالت بعفوية هو ده اللي فيه المفاجأة الكبيرة؟ بص كريم للبنت بسرعة، وقال ششش... لسه. لكن كان فات الأوان. البنت كملت وهي بتضحك أصل كل الأطفال مستنيين اليوم ده من... وسكتت فجأة، كأنها افتكرت إنها قالت أكتر مما ينبغي. ساعتها... أدركت أن الظرف لا يخص كريم وحده، ولا يخصني أنا فقط... بل كان مرتبطًا بشيء ينتظره عشرات الأشخاص، وأن فتحه قد يغيّر حياة الجميع ابتسم كريم، ومسح على رأس البنت الصغيرة، ثم بصلي وقال خلاص... مبقاش ينفع أخبي أكتر. فتح الظرف البني بهدوء، وطلع منه ورقة واحدة. ناولها لي. كانت شهادة رسمية بتسجيل جمعية يوم الأمل باسم مؤسسيها. وقفت أقرأ الأسماء... أول اسم كان كريم محمود. أما الاسم التاني... كان باسمي أنا. رفعت عيني له وأنا مش فاهمة. ابتسم وقال من تسع سنين... يوم فرحنا، اتفقنا إن أول ما ربنا يوسع رزقنا، نعمل حاجة تفضل بعدنا وتنفع الناس. إنتِ يمكن نسيتي الجملة دي... لكن أنا عمري ما نسيتها. حسيت بدموعي بتنزل. افتكرت فعلًا... كنا بنتكلم عن أحلامنا، وقلت له وقتها نفسي يبقى لينا أثر حلو في حياة حد. قال وهو بيكمل بدأت بمساعدة عم حسن بعد وفاة ابنه، وبعدها اتعرفت على أطفال محتاجين دروس وشنط وعلاج. كل سنة كانوا بيزيدوا، لحد ما بقينا أسرة كبيرة. بصيت على الصور والخطابات. كل رسالة كانت من طفل أو أسرة ساعدها. سألته طيب... ليه مخبيتش عليا؟ تنهد وقال لأنني كنت عايز أول ما تعرفي، تعرفي وإحنا واقفين على حاجة كاملة، مش مجرد حلم. كنت عايز أفاجئك يوم تسجيل الجمعية رسمي، وأقولك إنها باسمنا إحنا الاتنين. سكت لحظة، ثم ابتسم أما الرسالة اللي شوفتيها على الساعة... طلع موبايله، وفتح المحادثة. كانت من أحد المدرسين المتطوعين. ونصها الكامل كان امبارح كان أحلى يوم للأطفال... أول مرة كلهم يخرجوا مبسوطين بالشكل ده. ربنا يجازيك خير. الجزء اللي ظهر على الساعة كان أول سطر بس... أما الباقي، فما ظهرش في الإشعار. ضحكت وسط دموعي. كل الشكوك اللي عشتها من الصبح كانت بسبب نصف جملة. قرب كريم مني، وقال وهو ماسك إيدي الثقة مش معناها إننا منخبيش المفاجآت... لكنها معناها إننا منخليش الشك يكسر اللي بينا. بعد أسبوع... كان افتتاح جمعية يوم الأمل. عم حسن كان أول الحضور. والأطفال وقفوا يستقبلونا بالورود والضحك. وفي نهاية اليوم، علّقوا على الحائط صورة كبيرة لينا إحنا الاتنين، وتحتها عبارة بسيطة فيه ناس بتسيب فلوس... وناس بتسيب أثر. والأثر هو اللي بيفضل. تمت. متابعة القراءة