مني السيد,3

الصمت خيّم على الصالة كأن المكان فضي فجأة من كل البشر. حماتي كانت قاعدة على الكنبة، عينيها بتتحرك بين عمي توفيق وعمي فتحي وأحمد، ومحاولة تدور على قشة تتعلق بيها عشان تخرج من المأزق ده مرفوعة الراس، بس الفيديو كان صادم وفاضح بكل ما تعنيه الكلمة.
شيرين أخت جوزي نزلت رأسها في الأرض وما قدرتش تنطق بكلمة، لأنها عارفة إن عمي توفيق كلمته سيف على العيلة كلها وما حدش يقدر يكسرها.
حماتي بلعت ريقها بالعافية، وصوتها خرج مبحوح ومكسور، عكس القوة والبرود اللي كانت بتتعامل بيهم معايا طول الـ 12 سنة اللي فاتوا:
“أنا.. أنا ما كانش قصدي يا توفيق.. أنا بس كنت بحاول…”
عمي توفيق قاطعها بنبرة حازمة هزت الأوضة:
“بلاش كلام فارغ يا هدى! الفيديو قدامنا صريح ومفيهوش تلفيق. انتي كبرتي في السن والمفروض تكوني رمز الحكمة واللمة، مش سبب خراب البيوت. قدامك حل من اتنين: يا تتأسفي لمنى حالا وتوعدينا إن البيوت يتقفل بابها بالحسنى والأصول، يا إما تطلعي من هنا وتعرفي إن لا أنا ولا أخوكي فتحي هنقف جنبك في أي حاجة بعد النهاردة، ومحدش فينا هيدخل بيتك!”
التهديد بمقاطعة كبار العيلة كان ضربة قاضية لحماتي، لأنها بطبعها بتحب المظاهر واللمة وتهتم جداً بكلام الناس وقيمتها قدام القرايب.
حماتي بصتلي، وعينيها مليانة دموع حقيقية المرة دي.. دموع الكبرياء اللي اتكسر قدام الكل. أخدت نفس عميق وبصت للأرض، وقالت بصوت واطي ومتردد:
“حقك عليا يا منى.. أنا آسفة يا بنتي.”
الكلمة دي.. “آسفة”.. عمري ما سمعتها منها ولا كنت أتخيل إني هسمعها في يوم من الأيام. كانت بالنسبة لي رد اعتبار لكل نقطة عرق، ولكل ليلة سهرتها أنظف وراها وأنا بدمع من الوجع والظلم.
أنا ما فرحتش في كسرتها، ولا اتعاملت بتكبر.. بالعكس، صنت كبرياء السن وقربت منها بخطوات هادية، وقعدت جنبها على الكنبة وأخدت إيدها بين إيديا وقلت لها بهدوء:
“حصل خير يا طنط.. أنا عمري ما كرهتك، ولا كان نفسي نوصل للمرحلة دي. أنا كل اللي كنت طالباه إن بيتي يحترم، وتعرفي إن أنا وجوزي وبناتنا بنحبك ونفرح بزيارتك، بس لما الزيارة تكون بمحبة وأصول مش بإهانة واستعباد. حضرتك أم جوزي وعلى راسي، وبيتي مفتوح ليكي في أي وقت، بس على شرط.. ندخل بيوت بعض بالحب والخير.”
حماتي رفعت رأسها وبصتلي بنظرة جديدة تماماً.. نظرة فيها احترام وتفاجؤ من ردي اللي كان أكبر من أي تصفية حسابات. رفعت إيدها وطبطبت على إيدي وقالت:
“والله يا منى يا بنتي.. أنا الشيطان كان راكبني، وكنت بحس إنك خدتي مني ابني، فكنت عايزة أثبت لنفسي إني لسه الست الكبيرة اللي كلامها يمشي.. بس انتي طلعتي أصيلة، وأحسن مني في الموقف ده.”
أحمد واقف في الجنب، عينيه دمعت وهو شايف المشهد. قرب من أمه وباس رأسها وإيدها، وقبل إيدي أنا كمان قدام العيلة وقال:
“ربنا يخليكي ليا يا منى.. انتي أثبتي النهاردة إنك مش بس ست بيت شاطرة، انتي ست بيت عاقلة وأصيلة وصاينا لكرامتنا وبيتنا.”
عمي توفيق ابتسم وقف وقال:
“الحمد لله إن الغمة اتزاحت، وإن العقل والحكمة هما اللي كسبوا في الآخر. يلا يا جماعة، نقرأ الفاتحة على إن الصفحة القديمة دي انطوت تماماً، وتبدأ صفحة جديدة مفيهاش غير المحبة والاحترام.”
قرينا الفاتحة كلنا في جو مليان راحة وهدوء بعد العاصفة. شيرين قامت سلمت عليا واعتذرتلي هي كمان عن طريقة كلامها، وشربنا الشاي كلنا مع بعض في جو أسر ي مكنش دخل بيتنا من سنين.
ومرت الأيام والشهور…
الحياة اتغيرت 180 درجة. حماتي بقت لما تحب تزورنا، تتصل بالأول قبلها بيوم أو ساعتين وتستأذن بمنتهى الأدب. ولما بتيجي، بتدخل تسلم على الولاد وتحضنهم، وتعد في الصالة كأم مكرمة ومعززة.
لو عملت كباية شاي، تشربها وتشيلها بنفسها وتوديها المطبخ، بل وكتير جداً بقت تدخل معايا المطبخ وتقولي: “هاتي يا منى أساعدك في تجهيز الأكل يا حبيبتي.”
وأنا طبعاً مكنتش بسيبها تعمل حاجة، بس مجرد التغيير في النفوس والمعاملة كان كفيل يخلي البيت جنة هادية.
أما أحمد، فبقى يقدرني أكتر من الأول ألف مرة. بقى عارف إن السكوت على الظلم مش دايماً أدب، وإن المواجهة الشجاعة بالحق والأصول هي اللي بتحفظ البيوت وبتصون الكرامة.
الدرس اللي اتعلمته، واللي بحكيه لكل ست وبنت بتمر بنفس ظروفي:
“الكرامة مش معناه قلة الأدب أو الخناق والشتيمة.. الكرامة هي إنك تحطي حدود قوية وثابتة لكل حد يحاول يدوس عليكي، وتستعملي عقلك وحقك بذكاء وشجاعة. لما تدافعي عن حقك بأصول وثبات، العالم كله هيقف يحترمك… وحتى اللي كان بيحاول يكسرك، هينحني قدام عزة نفسك وصبرك.”
ومن اليوم ده… محدش في عيلتنا كلها بقى يجرؤ يقول الجملة دي في بيتي أبدًا:
“ما هو البيت فيه ست تنظفه…”
لأن الكل عرف إن الست دي.. قادرة تنظف بيتها، وصاينة كرامتها، ومحدش يقدر يكسر عينها!
#حكايات_مني_السيـد
(تمت)




