خلف جدران ج١

منال علي

الجزء الاول
مريم عمرها ما كانت من الستات اللي بتحب تعمل مشاكل.
كانت هادية، بتوزن كلامها بميزان دهب قبل ما تنطق بيه. وحتى لما كانت بتزعل من جوزها شريف السيوفي، كانت بتفضل تسكت شوية لحد ما تهدى بدل ما تعمل خناقة، عشان كانت مؤمنة إن القوة في العقل والهدوء مش في الزعيق والصوت العالي.
شريف كان رجل أعمال معروف، بيمشي ملايين الجنيهات بين الشركات والعقارات والاستثمارات، وعيلته من العائلات الكبيرة قوي في عالم البيزنس. ورغم العالم الزحمة والمشاكل اللي حواليه، كانت مريم عايشة في عالم تاني خالص… عالم مستني أول بنوتة ليهم.
كانت مريم في آخر كام أسبوع في الحمل، وفرحانة بشكل مش طبيعي. يقريبًا كل يوم بتعده في أوضة البيبي، تبص على السرير الصغير الأبيض، وتحط إيدها على بطنها وتقول وهي بتضحك من قلبها:
— يا ترى هتطلعي شبه مين يا حبيبتي؟ شبهي ولا شبه باباكي؟
لكن في الفترة الأخيرة، بدأ الخوف يتسلل للبيت.
شريف اتغير. بقى يرجع متأخر، والموبايل دايمًا في إيده. ولو حد كلمه وهو جنبها، يقدم خطوتين ويتكلم بصوت واطي وموتر.
ومريم، رغم إنها لاحظت كل ده، ماحبتش تشك فيه ولا تنكد على نفسها. كانت بتقول لنفسها: “يمكن ضغط الشغل زاد… يمكن الشركة فيها مشكلة كبيرة.”
لحد الليلة اللي كل حاجة فيها اتقلبت رأسًا على عقب.
كانت مريم قاعدة في الصالة بتراجع مع دكتورتها مواعيد الولادة، وفجأة شريف كلمها وقال بنبرة ناشفة مش عادته يتكلم بيها:
— مريم، أنا هتأخر النهارده شوية.
ردت بهدوء:
— ليه يا شريف؟ في حاجة في الشركة؟
— آه… شوية ورق لازم يخلصوا.
— طب ماشي يا حبيبي، بس ماتتأخرش أوي.
ضحك ضحكة مقطوعة وقال:
— حاضر يا ستي. وقفل السكة.
بعد ساعة، افتكرت مريم حاجة مهمة كانت عايزة تسأله عنها بخصوص التحاليل. اتصلت بيه.
الموبايل رن مرة… وبعدين اتقفل خالص.
استغربت، عشان شريف عمره ما يقفل موبايله في وشها. استنت ربع ساعة وحاولت تاني، نفس الحكاية.
بدأت تقلق. ارتدت عباية واسعة ودافية، وأخدت شنطتها ونزلت للعربية وهي بتقول لنفسها: “هروح له الشركة أطمن عليه، يمكن في حاجة خطيرة.”
وهي في الطريق، السواق بص لها في المراية وقال:
— مدام مريم، حضرتك متأكدة إننا رايحين الشركة؟
مريم بصت له باستغراب:
— ليه يا عم أحمد؟
— أصل الأستاذ شريف مش هناك… هو قال لي الصبح إنه رايح الزمالك عشان عنده معاد مهم.
مريم سكتت لحظة. الزمالك؟ طب ليه مأقالهاش؟
— طب خلاص يا عم أحمد… أطلع على الزمالك.
وصلت العربية لمنطقة راقية في الزمالك، وبعد ما عم أحمد سأل كام حارس هناك، عرف إن شريف قاعد جوه مطعم كبير وفاخر.
دخلت مريم المطعم بخطوات هادية. الإضاءة كانت خافته والمكان هادي. ومن بعيد، لمحته قاعد في آخر ترابيزة في الكورنر.
بس مكنش لوحده.
كانت قاعدة قدامه هالة… المحامية بتاعة شركاته. ست لسانها حلو وشاطرة، ومريم شافتها قبل كده في مناسبات كتير تخص الشغل. بس القاعدة المرة دي مكنتش قاعدة شغل عادية خالص؛ كان فيه ملف أسود كبير مفتوح قدامهم، وشريف كان باين عليه التوتر العالي.
استخبت مريم ورا عمود رخام وقربت أذنها بالراحة.
هالة كانت بتتكلم بصوت واطي بس حاد:
— أنا بقولك يا شريف، الموضوع ده لو مريم عرفت بيه، إحنا كلنا هنروح في داهية… هنلبس القض..ية كلنا!
رد شريف بعصبية وهو بيبص حواليه:
— وطي صوتك يا هالة!
ضربات قلب مريم بدأت تزيد… إحنا كلنا؟! ومريم لو عرفت؟!
هالة فتحت الملف بسرعة وقالت:
— الورق ده لازم يختفي فوراً… الوقت بيجري ضدنا.
— أنا عارف…
هالة بصت له بعيون باردة:
— طيب ومريم؟
سكت شريف ثواني، كأن الوقت وقف. وبعدين سمعته بيقول الجملة اللي نزلت عليها زي الصاعقة:
— مريم لازم تختفي… قبل ما البنت تتولد.
في اللحظة دي، بنتها اتحركت وركلت بطنها جامد، كأنها بتصرخ معاها.
دموع مريم نزلت على خدها في صمت رهيب. بس ما دخلتش عليهم، ما عملتش خناقة، ولا صرخت، ولا فضحتهم. لفت ظهرها وبمنتهى الهدوء انسحبت وخرجت من المطعم.
ركبت العربية ورجعت الفيلا وهي ساكتة طول الطريق. عم أحمد بص لها من المراية وقال بقلق:
— حضرتك كويسة يا مدام؟
ردت بصوت مخنوق:
— آه يا عم أحمد… أنا كويسة.
بس هي مكنتش كويسة خالص. كانت حاسة إن الدنيا كلها اتهدت فوق دماغها في لحظة.
أول ما وصلت الفيلا، جريت على أوضة البيبي. قعدت على الكرسي جنب السرير الصغير، وحضنت بطنها بإيديها الاثنين وقالت:
— ماما مش هتسيبك… ماما هتحميكي بعمرها كله.
وفجأة افتكرت حاجة!
من حوالي أسبوع، وهي بتدور في مكتب شريف على ملف قديم، لقت بالصدفة ورقة تأمين على حياتها بمبلغ خرافي، وعليها إمضا شبه إمضتها بالظبط بس مش هي! وقتها كدبت نفسها وقالت “يمكن أنا نسيت”. بس دلوقتي… كل الخيوط بدأت تتربط ببعضها.
دخلت مكتب شريف وقفت الباب بالمفتاح. زقت تابلوه كبير معلق على الحيطة، وراه الخزنة السرية. فتحتها برقم السر المعتاد.
قعدت تقلب في الأوراق بسرعة، لحد ما مسكت تقرير طبي مكتوب بالإنجليزي وعليه شعار معمل معتمد. قرأت أول سطرين وشها اتقلب وأيديها بدأت ترتعش!
التقرير كان بيشرح تركيبة الفيتامينات والدوا اللي بتاخده مريم كل يوم وهي حامل. الدوا المدون في التقرير المزيف طلع مش فيتامين خالص! ده عقار بيسبب هبوط تدريجي في وظائف المشيمة، بيؤدي لموت البيبي وبعدها إجهاض حاد يهدد حياة الأم نفسها!
شهقت بوجع:
— يا نهار أبيض… ده مش دوا… ده سم!
وافتكرت في الحال: الفيتامينات دي كانت بتتحط لها كل يوم في طبق زجاج صغير جنب السرير…
معنى كده إن اللي بينفذ المخطط ده مش بس شريف وهالة، ده فيه حد جوه الفيلا! حد بيساهم في قت..لها وقت..ل بنتها كل يوم بدم بارد!
مريم ما ضيعتش ثانية. أخدت فلاشة صغيرة كانت في الخزنة وحطت عليها نسخ الأوراق، وأخدت الأوراق الأصلية المهمة وحطتها في جيب معطفها السري.
رجعت أوضة بنتها، لمست السرير بدموع محبوسة وقالت:
— حقك عليا يا حبيبتي… بس إحنا لازم نهرب حالا.
كتبت رسالة قصيرة وحطتها فوق المخاد. أخدت شنطة صغيرة حطت فيها كام غيار، وجواز سفرها، واللابتوب.
أما موبايلها… فذَكيّاً لفته في فوطة تقيلة وألقته في القاع بتاع سبت الغسيل جوه الحمام. كانت عارفة إنهم أول ما يكتشفوا غيابها هيدوروا على إشارة الموبايل، ويهيأ لهم إنها لسه جوه البيت.
تسللت من الباب الخلفي للحديقة واختفت في عتمة الليل.
بعد ثلاث ساعات، دخل شريف الفيلا وهو ينادي:
— مريم؟
مفيش رد.
— مريم!
خرج ينادي للحارس بغضب:
— مدام مريم خرجت؟
— لأ يا فندم، أنا واقف على الباب ومخرجتش خالص.
— متأكد؟
— أيوه يا فندم.
دخل شريف الصالة، لقى شنطة مريم وكوباية شاي باردة على الترابيزة. أكلته الشكوك وجري على فوق.
فتح أوضة النوم؛ الدولاب مفتوح، كام فستان مش موجودين، الشنطة الصغيرة وجواز السفر واللابتوب اختفوا!
جري على أوضة البيبي، وهناك… شاف الظرف الأبيض المتروك على السرير.
مسكه وإيده بترتعش أول ما ميز خطها. فتح الرسالة وقرأ:
“شريف…
أنا شفتك النهارده في الزمالك، وشفت هالة، وسمعت كل كلمة قيلت بحقي.
في الأول افتكرت إن الموضوع مجرد خيانة… بس طلع مخطط تصفية! لقيت وثيقة التأمين المزورة، ولقيت تقرير الدوا اللي بيتحط لي كل يوم عشان يقت..ل بنتي ويقت..لني معاها.
أنا مشيت مش عشان أهرب منك… أنا مشيت عشان أحمي روح بريئة مالهاش ذنب.
ومتدورش عليا… قبل ما تدور عليا، اسأل نفسك:
مين اللي زور إمضتي؟ مين اللي بيحط السم في أكلي جوه بيتك؟ وليه هالة معاها الورق ده؟
أنا وبنتك لسه عايشين… لحد ما الحق يظهر.
مريم.”
وش شريف اصفر زي الورد الميت، والورقة وقعت من إيده.
دخلت الخادمة الكبيرة “الحاجة زينب” وهي مرعوبة:
— في إيه يا شريف بيه؟ مالك؟
بص لها وعينيه زايغة وقال:
— مريم اختفت…
— اختفت إزاي يا بيه؟! الحراس قالوا مخرجتش!
— مش عارف…
— نبلغ الشرطة يا بيه؟
صمت شريف ثواني، وبعدين صرخ بصوت واطي مرعوب:
— لأ! مش هنبلغ حد دلوقتي!
— ليه بس يا بيه؟
بص للرسالة اللي على الأرض وقال:
— عشان لو مريم خايفة من حد جوه البيت ده… يبقى الجاني عايش معانا تحت سقف واحد!
نزل شريف زي المجنون على مكتبه، وفتح الخزنة السرية.
بدأ يراجع الأوراق، واكتشف المفاجأة: مفيش فلوس ولا دهب اتسرقوا، بس اختفت ملفات معينة تخص الحسابات السرية للشركة، وتحويلات بنكية بره مصر، وعقود تأمين!
وفجأة، رن موبايله. كان مدير أمن الفيلا والشركات:
— ألو يا عثمان… في إيه؟
— يا فندم… في حاجة غريبة جداً حصلت في كاميرات المراقبة بتاعة الفيلا.
قلب شريف اتقبض:
— انجز! في إيه؟
— الكاميرات اتعطلت والسيستم حصل فيه شلل كامل لمدة 9 دقائق بالظبط.
— إمتى الكلام ده؟!
— من الساعة 10:12 لحد 10:21 بالليل…
— يعني في نفس الوقت اللي اختفت فيه مريم!
— تمام يا فندم…
— مين يقدر يعمل كده يا عثمان؟ مين عنده الصلاحية يوقف سيستم التشفير ده؟
تردد مدير الأمن شوية وبعدين قال بصوت خايف:
— يا فندم… الصلاحية دي مش مع أي حد… هي مع حضرتك، ومع الأستاذ عادل السيوفي بس!
الدم اتجمد في عروق شريف.
عمه عادل! أخو أبوه، والشريك المالي في الشركة. الراجل اللي طول عمره بيعتبره أبوه الثاني، والراجل اللي كان بيظهر فرحة هوس بحمل مريم، وكان يدخل البيت في أي وقت ويقول: “مريم دي بنتي وغلاوتها من غلاوتك.” حصري على صفحه روايات واقتباسات
قفل شريف السكة وسقط على الكرسي. الشكوك بدأت تأكل عقله… هل عمه كان يخطط يخلع شريف وعيلته عشان يستولي على الإمبراطورية؟ وهل هالة شغالة لحساب عمه؟
وفي اللحظة دي بالذات… رن الموبايل تاني.
رقم مجهول (Private Number).
فتح السكة وهو مش قادر ياخد نفسه:
— ألو؟ حكايات منــال عـلـي
جاءه صوت راجل غريب، متعدل إلكترونياً، بيتكلم ببرود:
— “لو عايز مراتك وبنتك يفضلوا عايشين… بلاش تدور في الشركات…”
قام شريف من مكانه وزعق:
— “إنت مين؟! ومريم فين؟!”
رد الصوت ببرود وقفل الخط:
— “دور على الشخص اللي كان بيدخل أوضة مريم كل يوم… ويحط أكلها وإيديه فوق الشبهات…”
توقفت الحرارة، وقف شريف مصدوم ومش قادر يتحرك، وبص ناحية الباب المفتوح بتاع مكتبه… حكايات منــال عـلـي
مين كان بيدخل أوضة مريم كل يوم من غير ما حد يسأله؟
هل هي الحاجة زينب اللي مربياه من صغره؟
أم الممرضة الخاصة اللي جابها عمه عادل عشان تتابع الحمل؟
أم عم أحمد السواق اللي كان بيبعت الأكل؟
أم إن الخاين أقرب بكتير مما يتخيل الجميع…؟
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *