صعيدي من اكسفورد بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.


​في عصر اليوم التالي، وقبل ساعات قليلة من موعد وصول العريس المرتقب، كانت نور تشعر باختناق شديد. قررت النزول لشراء بعض الأشياء والمشي قليلاً على كورنيش النيل الهادئ بالزمالك، هرباً من حصار الأفكار وتجهيزات والدتها في البيت.
​كان الجو يميل للبرودة، ونور تسير بشرود على رصيف الشارع، ملتفة بوشاحها الصوفي.
وفجأة… توقفت سيارة سوداء ضخمة ذات زجاج فاميه معتم بجانب الرصيف مباشرة، وقطعت عليها طريقها.
​انفتح الباب الخلفي للسيارة ببطء. وقبل أن تستوعب نور ما يحدث، ترجل منه رجل فارع الطول، يرتدي بدلة سوداء كلاسيكية فاخرة بدون كرافتة، يضع فوق كتفيه شالاً كشميرياً بلون البيج الدافئ يدمج بين هيبة البندر وعراقة الصعيد.
​تسمرت نور مكانها، وحبس الهواء في صدرها. إنه هو… يونس الهواري بشحمه ولحمه، وعيونه الكحلية التي تخترقها كالسرداب المظلم.
​خطى يونس خطوات ثقيلة وثابتة نحوها، ووقف أمامها مباشرة، يفصل بينهما خطوة واحدة، محافظاً على مسافته لكن حضوره الطاغي كان كافياً لاختراق دفاعاتها بالكامل. ريحة العود الفخم المخلوطة بهيبة الصعيد حاصرتها في ثانية واحدة، لتمحو كل ضوضاء القاهرة من حولها.
​نور بلعت ريقها بصعوبة، وحاولت استجماع شتات كبريائها وعنادها، وقالت بصوت حاولت جعله بارداً ومستنكراً:
“يونس بيه؟ أنت… أنت إيه اللي جابك هنا؟ وبتراقبني ليه؟”
​يونس لم تبتسم شفتاه هذه المرة، بل كان وجهه كلوح من الجرانيت الصعيدي الصارم. نظر في عينيها مباشرة، وبنبرة رجولية منخفضة ومرعبة في قوتها، همس قائلاً:
“سمعت إن عريس البندر جاي الليلة يخطب يا بت الناس… وسمعت إنك وافجتي عاد؟”
​نور رفعت رأسها بتحدٍ وعناد غجري، وصوتها اهتز قليلاً لكنها تماسكت، وحاولت إخفاء فرحتها وصدمتها بظهوره:
“وإنت مالك؟ دي حياتي وأنا حرة فيها! أنت ملكش دعوة بيا… دورك معايا انتهى من يوم ما سبت قصرك ورجعت هنا ومسمعتش منك حتى مكالمة واحدة!”
​يونس قرب خطوة كمان، لتلف أنفاسه الحارة وجهها البارد، وعيونه اشتعلت بغيرة مقموعة وجبروت عاشق صامت:
“دوري منتهش واصل يا نور… ولا هينقص. أنا جولتلك من جبل، الحرمة اللي تدخل دار يونس الهواري وتتحامى في جلبابه… تفضل طول عمرها في حمايته وتحت عينه. وملهاش راجل في الدنيا دي يطولها غيري أنا… واصلي عنادك كيف ما تحبي يا بنت عاصم، بس العريس اللي جاي الليلة ده… قسماً عظماً مش هيعتب باب بيتكم، لأن دارك ليها راجل حاجزها من يوم ما وقفت قصاده في الأسانسير ورفعت مناخيرها في السما.”
​وقبل أن تستوعب نور الكلمات أو تجد ردًا يليق بكبريائها، تحرك يونس بسرعة وخفة لم تتوقعها من جسده الضخم. وبدون أن يلمس جسدها بشكل مباشر يخدش حياءها، فتح باب السيارة الخلفي بيده الواحدة، وبذراعه الأخرى المفرودة حاصر حركتها ليوجهها بصرامة وهيبة آمرة نحو المقعد الخلفي للسيارة، قائلاً بنبرة لا تقبل الجدال:
“اركبي يا بت الناس… بالذوق كدة ومن غير شوشرة في وسط البندر.”
​نور وجدت نفسها تندفع لداخل السيارة بفعل هيبته الطاغية التي شلت لسانها، وفي ثانية واحدة كان يونس قد ركب بجانبها وأغلق الباب بقوة، ليزأر السائق بالمحرك وتنطلق السيارة بأقصى سرعتها وسط شوارع الزمالك.
​نور التفتت إليه وعيونها تشتعل بالشرار والغضب، وصاحت بعنادها الغجري:
“أنت اتجننت يا يونس؟! أنت بتخطفني؟ نزلني حالااً! أنا مش جارية عندك عشان تتحكم فيا وتحدد مين يدخل بيتي ومين يخرج!”
​يونس ظل على جموده، مربعاً كتافه العريضة وهو ينظر إليها ببرود مميت وثقة تزلزل الجبال:
“الخطف ده للغُرب يا بت الناس… إنما أنتِ طالما دخلتِ دار الهواري، تبجي في حمايتي ليوم الدين. وأنا الحماية عندي مفيهاش أنصاف حلول… ومفيش راجل غريب هيقعد قصادك الليلة.”
​في هذه اللحظة المشتعلة، اهتز هاتف نور في يدها بعنف، وأضاءت الشاشة باسم والدها “الحاج عاصم”.
​نور حاولت الرد بسرعة لتستنجد به، لكن يونس مد يده الكبيرة وبسرعة البرق سحب الهاتف من يدها قبل أن تفتح الخط، وضغط على زر الفتح ووضعه على أذنه هو، فيما كانت نور تحاول جذبه منه وهي تهمس بغضب مكتوم: “هات التليفون يا يونس!”
​صوت الحاج عاصم جاء من السماعة حاداً ومتوتراً للغاية، والضوضاء خفيفة في الخلفية تدل على وصول الضيوف:
“نور! إنتي فين يا بنتي؟ الضيوف وعيلتهم وصلوا وقاعدين في الصالون بقالهم ربع ساعة! ده موقف بايخ جداً في حقي وحقك! ينفع كدة تسيبينا محرجين قدام الناس والكل بيسأل عليكي؟ اخلصي وتعالي حالاً!”
​يونس أخذ نفساً عميقاً، وبنبرة صعيدية هادئة، رصينة، ومليئة بالوقار الذي ألجم والدها في ثوانٍ، قال:
“السلام عليكم يا حج عاصم… معاك يونس الهواري.”
​ساد الصمت من طرف الحاج عاصم للحظات من هول المفاجأة، قبل أن يكمل يونس بقوة وحسم:
“بنتك في الأمان وتحت عيني… واعتذر عاد للناس اللي عندك وجولهم إن بنتك محجوزة لراجل صعيدي مبيفرطش في حقه واصل. والخميس الجاي عاد… رجالتنا هيدخلوا بيتك من بابه بالأصول.”
​أغلق يونس الهاتف ببرود وهدوء، وسط ذهول نور وصدمتها التي عقدت لسانها.
حكايات مايا خالد
نور فضلت باصة ليونس بذهول وصدمة حقيقية، شفايفها كانت بتترعش وعيونها متسعة على الآخر ومش قادرة تستوعب الجرأة والجبروت اللي بيتكلم بيهم. وفي لحظة، اتحول ذهولها لبركان غضب صرخت فيه وهي بتحاول تشد تليفونها من إيده بقوة:
“أنت اتجننت رسمي! أنت بأي حق تكلم أبويا بالطريقة دي؟ وبأي حق تلغي وجودي وتقرر حياتي وتطرد ضيوف من بيتي بالبلطجة دي؟ نزلني! نزلني حالااً يا يونس!”
​يونس متأثرش بصرخاتها ولا بمحاولاتها لشد التليفون، حط الموبايل في جيب جاكيت بدلته وبص قدامه ببرود جليدي، وقال بصوت واطي ومزلزل للسائق:
“لف وعاود يا همام… متمشيش في طريق السفر.”
​نور بكت من كتر الغيظ والعجز، وبقت تضرب كف بكف وهي بتبصله:
“هتوديني فين؟ هتحبسني عندك؟ فاكر نفسك مين عشان تعمل فيا كدة؟!”
​يونس لف راسه ليها ببطء، وعيونه الكحلية كانت ثابتة وصارمة، وقال بنبرة هادية بس تقطر حسم:
“أنا مش هسافر بيكي الصعيد غصب عنك يا بنت الناس.. يونس الهواري مياخدش حرمة لبيته بالدراع والوعورة. أنا هلف بيكي في المحروسة دي لحد ما دماغك الناشفة دي تلين، ولحد ما ميعاد عريسك ده يفوت والبيت يفضى، وبعدها هرجعك لبيت أبوكي معززة مكرمة.”
​العربية فضلت تلف بيهم في شوارع القاهرة بلا هوادة. همام كان سايق بهدوء تلو التاني، بيقطع كوبري ورا كوبري، من كورنيش الزمالك لوسط البلد لشوارع المعادي الهادية.
​طوال الساعتين دول، كانت العربية عبارة عن ساحة حرب صامتة. نور لفت وشها تماماً ناحية الشباك، دموعها نشفت على خدودها واتبدلت بنظرات عناد وغل وهي بتراقب أضواء القاهرة السارحة على النيل، وجواها صراع طاحن؛ مكسوفة من والدها والموقف البايخ اللي اتحطت فيه قدام الضيوف، وفي نفس الوقت فيه رعشة خوف دافية وصادقة في قلبها من الغيرة العمياء اللي شافت عيون يونس بتطق منها.
​أما يونس، فكان قاعد زي الأسد في عرينه، مسند ضهره، وعيونه مش بتفارق ملامحها الجانبية العسولة وعنادها الغجري اللي كان بيزيدها جمال في نظره. كان حاسس بنار الشوق اللي جواها وهي بتداريها بالعناد، وعارف إن خطوته دي “واعرة” بس كانت الدوا الوحيد عشان يصحّي قلبها اللي قرر يهرب لعريس غريب.
​المواجهة الكبرى في بيت الحاج عاصم
​بعد ما الوقت مرّ وعمّ الليل، وتأكد يونس إن ميعاد المقابلة انتهى والضيوف مشيوا مكسورين الخاطر من الانتظار، بص لهمام وقال بكلمة واحدة:
“على بيت الحج عاصم يا همام.”
​نور اتنفست الصعداء أول ما لقت العربية بتدخل الشارع بتاعهم، بس قلبها بدأ يدق بخوف من مواجهة والدها. العربية وقفت قدام البوابة، ويونس نزل الأول بوقاره المعتاد، ولف فتح الباب لنور وبص لها بتمعن:
“انزلي يا نور… ورجلك على رجلي لجوة.”
​نور نزلت وبصتله بغضب: “أنا هدخل لوحدي، كفاية المصيبة اللي عملتها لحد هنا!”
يونس ضيق عيونه وقال بلهجة صعيدية حاسمة:
“أنا ممشيش وأسيبك تواجهي زعق أبوكي لحالك بسبب عملتي… يونس الهواري بيلبس ثوبه ويتحمل فوعته. يالا بينا.”
​دخلوا الجنينة وطلعوا السلم، ونور كانت حاسة إن رجليها مش شايلاها. أول ما الباب اتفتح، لقوا الحاج عاصم واقف في الصالة، وشه كان خالي من التعبير بس عيونه كانت مليانة عتب وغضب حاد وكسرة نفس من الموقف البايخ اللي اتحط فيه قدام الناس.
​الحاج عاصم بص لنور بنظرة وجعت قلبها، وقال بنبرة مكسورة وحادة:
“أهلاً يا هانم… أهلاً بالصحفية الكبيرة اللي خلت راسي في الأرض قدام الناس وعيلتهم! بقالنا ساعتين بنعتذر ونألف حكايات عشان نداري غيابك غير المبرر! والناس مشيت وهي شاعرة بالخطية والوجع لأننا صغرناهم!”
​نور لسه هتتكلم والدموع في عيونها، خطى يونس خطوة سريعة لقدام، ووقف بجسده الضخم حايط سد بين نور وبين غضب والدها، وبكل أدب ووقار صعيدي، وطى راسه وباس كتف الحاج عاصم وقال بنبرة رجولية دافية:
“حقك عليا أنا يا حاج عاصم… ارمي اللوم كله على ولد الهواري واقطع رقبتي لو تبي، بس بنتك ملهاش صالح واصل باللي حصل الليلة.”
​الحاج عاصم بص ليونس بذهول ممزوج بالضيق: “أنت يا يونس بيه؟ تعمل كدة؟ ده أسلوب رجالة صعايدة محترمين برضه؟ تخطف بنتي في قلب البندر وتخرب بيتي قدام ضيوفي؟”
​يونس رفع راسه وعيونه لمعت بقوة وثقة تهز الجبال:
“أنا مخطفكش يا عمي… أنا جيت أمنع حاجة مكنتش هتحصل واصل حتى لو قعدتوا سنة تفكروا فيها. بنتك دخلت داري، والكلمة دي عندي بتمشي على رقاب الرجال.. الحرمة اللي تلوذ بيونس الهواري وتتحامى فيه، بتبقى في حمايته وتحت عينه ليوم الدين، وملهاش راجل في الدنيا دي يلمس طرف ثوبها غيري أنا.”
​سكت يونس لثوانٍ، وبص لنور اللي كانت واقفة وراه وصدرها بيعلو ويهبط بذهول، ورجع بص للحاج عاصم وكمل بقوة:
“الناس اللي مشيت دي… لو كانوا شارينها، مكنش كسر خاطرهم غياب ساعة. وأنا جايلك بكرة بالأصول والرجالة والجاهة الكبيرة عشان أطلب نور منك قدام مصر كلها.. والخميس الجاي، كتب الكتاب لو وافقت عاد. بس الليلة… كان لازم الكل يعرف إن نور ليها راجل بيغار عليها حتى من الهوا الطاير.”
​نور حست بكهربا سرت في جسمها كله… العناد اللي جواها انهار تماماً قدام جبروت الحب والرجولة اللي يونس بيفرضها عليها. بصت لوالدها اللي سكت وبدأ يهدى تدريجياً وهو بيشوف في عيون يونس صدق وحماية كان يتمناها لبنته طول عمره.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *