ياسين الجارحي الفصل الأول بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

في جانب تاني خالص من المدينة، في شقة بسيطة والهدوء ماليهم…
كانت قاعدة جنب الشباك، بتبص على المطر اللي نازل على الزجاج بشرود تام، وماسكة كوباية الشاي بين إيديها اللي كانوا بترعشوا بحركة خفيفة من التوتر. ملامحها كانت رقيقة بس عينيها فيها حزن كبير، وشعور بالفراغ خانقها ومش قادرة تفهمه.
قرب منها الراجل بخطوات هادية، وكان باين عليه الخجل والذنب اللي مش مفارقينه من ليلة الحادثة. قعد قدامها، وبص لها بنظرة كلها شفقة وندم، وأخد نفس طويل وقال:
ـ “برضه مفيش أي حاجة افتكرتيها؟ أي اسم.. أي مكان.. أي وش جالك في بالك حتى؟”
بصت له بضياع، وهزت رأسها ببطء، وجاء صوتها مبحوح ومكتوم:
ـ “ولا حاجة.. كل ما أحاول أفتكر، بحس بصداع يفرتك دماغي، وكأن في جدار أسود واقف بيني وبين كل حاجة قبل الحادثة. أنا مش عارفة أنا مين، ولا اسمي إيه.”
نزل الراجل رأسه في الأرض، وقال بأسى:
ـ “أنا آسف.. صدقيني كل يوم بيمر عليا وأنا بشوفك كده، بحس إن ذنبك في رقبتي. لولا الفرامل اللي خانتني في الليلة دي، ما كانش زمانك في الضياع ده. أنا سألت في كل المستشفيات والأقسام القريبة من مكان الحادثة، محدش بلغ عن غياب بنت بملامحك خالص.”
سكتت شوية، ومسحت دمعة نزلت على خدها، وابتسمت ابتسامة باهتة:
ـ “حضرتك عملت معايا أكتر من اللي أي حد يعمله.. نقلتني المستشفى وقعدت جنبي لحد ما قمت، واستضفتني في بيتك مع أسرتك كل الشهور دي.. أنا مش زعلانة منك يا أستاذ سليم، ده قدر.”
ساد الصمت ثواني، قبل ما تبص له بإصرار ونظرة مصممة:
ـ “بس أنا مش هقدر أضل قاعدة كده أكتر من كده.. أنا خفيت تماماً. محتاجة أنزل أشتغل.. محتاجة أحس إن ليا قيمة أو أعتمد على نفسي لحد ما الذاكرة ترجع لي.”
استغرب سليم وقال:
ـ “تشتغلي؟ تشتغلي إيه بس وأنتِ لسه مش فاكرة حاجة؟ وبعدين البيت بيتك..”
قاطعته برفق:
ـ “عارفة والله.. بس القعدة دي بتقتلني. أي شغلانة بسيطة أقدر أعملها.”
فكر سليم شوية، وافتكر مكالمة مع صاحبه من كام يوم، وبص لها وقال:
ـ “طب إيه رأيك.. في شغلانة ممتازة وأمينة جداً، وعن طريقي أنا؟”
رفعت عينيها باهتمام:
ـ “شغلانة إيه؟”
سليم بجدية:
ـ “صاحبي، راجل أعمال كبير، عنده طفلة رضيعة ومحتاج حد يكون أمين يعيش معاهم في القصر ويهتم بالبنت.. هو يدور على واحدة ثقة جداً بقاله فترة، وأنا أضمنك برقبتي.. إيه رأيك؟”
أول ما سمعت كلمة “طفلة رضيعة”، حست بنبضة غريبة وسريعة في قلبها، وكأن جسمها استجاب للكلمة قبل عقلها. ما فهمتش سبب القشعريرة دي، بس هزت رأسها بالوافقة على طول:
ـ “موافقة.. طالما طفلة، أنا موافقة جداً.”
في قصر الجارحي…
كان الجو متوتر جداً. صوت عياط الطفلة الصريخة جايب آخر القصر.
ياسين الجارحي كان رايح جاي في الصالة، فك أزرار قميصه، وشعره متنعكش من كتر ما كان بيمرر إيده فيه بغضب وعجز.
بص لمدير أعماله وصرخ فيه بحدة:
ـ “يعني إيه مش عارفين تلاقوها؟! الملايين اللي بتتدفع للشركات والحراس دول بيروحوا فين؟! ست مشيت في الشارع وشايلة طفلة، الكاميرات ما جابتهاش؟! الأرض انشقت وبلعتها؟!”
رد مدير الأعمال بتوتر:
ـ “يا ياسين بيه، الكاميرات في الليلة دي كان فيها عطل، وسجلات العربيات مسجلتش حد نزل هناك.. احنا دورنا في كل المستشفيات والـ DNA أكد إن البنت بنتك، بس الست مالهاش أي أثر كأنها أختفت!”
ضرب ياسين بإيده على الترابيزة بقوة:
ـ “اختفت إزاي يعني! الست دي لعبت لعبتها ورمت البنت عشان تذلني! أقسم بالله لما تقع تحت إيدي، لا هرحمها ولا هخليها تشوف النور تاني.. هعرفها إزاي ترمي لحمها وتلعب مع ياسين الجارحي!”
في اللحظة دي، خرجت المربية من أوضة الطفلة مرعوبة:
ـ “يا بيه.. البنت ريقها جف من العياط ورافضة اللبن خالص.. ومش راضية تسكت!”
توقف ياسين عن الكلام، وبص ناحية الأوضة بصدمة وعجز مكتوم، صوت العياط كان بينهش في قلبه، وقال بغضب:
ـ “ادخلوا لها تاني.. اتصرفوا!”
التفت لمدير أعماله وقال بنبرة قاسية:
ـ “دوروا تاني.. جيبوها لي هنا.. ولو تحت الأرض!”


