الجارحي بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد. كان ياسين الجارحي يؤمن بأن النفوذ والمال كفيلان بحل أي عقدة، حتى غدت طفلته الرضيعة هي العقبة الوحيدة التي يقف أمامها عاجزاً. الرجل الذي تصدرت صوره مجلات المال والأعمال كأحد أصغر وأعتى رجال الدولة، والذي تُحسم بقراراته صفقات بملايين الجنيهات في دقائق معدودة، بات يقضى ليلته عند أعتاب غرفة طفلة لم تتجاوز شهوراً قليلة، ينتظر أن تهدأ من بكائها المتواصل، دون أن يملك لخوفها أو بكائها حلاً. فتح باب الغرفة وجسده مجهد، ليرى الطفلة وهي تصرخ حتى احمرّ وجهها الصغير. سأل بصوت يملؤه التوتر: ـ مالها؟ أجابت المربية ونظراتها معلقة بالأرض: ـ حاولنا معها يا بيه... مش راضية تهدأ أبداً. ـ والمرضعة؟ ـ مشت. عقد حجبيه بغضب وسأل: ـ مشت ليه؟ ـ البنت رفضتها وما رضيتش تأخذ منها حاجة. ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يتمتم وهو ينظر للطفلة: ـ دي خامس واحدة تطفش. ـ أيوه يا بيه. ابتسم بسخرية مريرة: ـ خامس واحدة في أقل من شهر! اقترب من المهد، ورفع بنته بين يديه بحذر، لكن بكاءها اشتد وزاد صراخها، فحاول هزها برفق دون جدوى. نظر إليها بعجز لم يعهده في نفسه من قبل، وقال بقلب مثقل: ـ إنتي عايزة إيه مني؟ لم تتوقف الطفلة، لكن السؤال ظل يتردد في ذهنه مترافقاً مع أسئلة أعمق: من أنتِ؟ ومن تكون أمك؟ ولماذا تركتكِ عند عتبة بيتي واختفت؟ لم يعد ياسين كما كان منذ تلك الليلة التي وجدها فيها. تذكر كيف هرع إليه الحارس عند البوابة الخارجية للقصر ليخبره بوجود طفلة ملقاة في السلة، وكيف اتجه نحوها لتتجمّد دماءه في عروقه وهو يراها ملفوفة ببطانية بيضاء بجوارها ظرف مغلق. كان بالظرف ورقة واحدة كُتب عليها بخط مختصر: "البنت دي بنتك." لا اسم، لا تفاصيل، ولا أي إشارة تضيء طريق البحث. كانت أولى خطواته إجراء تحليل الـ DNA، وجاءت النتيجة كالصاعقة لتؤكد نسب الطفلة إليه. تحول ذهوله الأوليّ إلى غضب عارم؛ كان مستعداً لتجاوز أي شيء إلا أن تتخلى أم عن طفلتها بهذه القسوة وتتركها للمجهول. سخر كل سلطته للوصول إليها: تتبع كاميرات المراقبة، فحص سجلات السيارات التي مرت بالمنطقة، استجوب الحراس، وفتش في المستشفيات والعيادات، لكن السيدة تبخرت وكأنها لم تطأ الأرض قط. لم يكن يسعى خلفها شفقةً أو ليعيدها لطفلتها، بل كان يريد الإجابات... والحساب. تذكر كلماته الصارمة لمدير أعماله عندما سأله عن الخطة حال العثور عليها: ـ لما تلاقوها... محدش يمسها. ـ أمال نعمل إيه يا بيه؟ رد ياسين ببرود حاد: ـ جيبوها لحد عندي... وأنا هعرف إزاي أخد حقي منها. في جانب تاني خالص من المدينة، في شقة بسيطة والهدوء ماليهم... كانت قاعدة جنب الشباك، بتبص على المطر اللي نازل على الزجاج بشرود تام، وماسكة كوباية الشاي بين إيديها اللي كانوا بترعشوا بحركة خفيفة من التوتر. ملامحها كانت رقيقة بس عينيها فيها حزن كبير، وشعور بالفراغ خانقها ومش قادرة تفهمه. قرب منها الراجل بخطوات هادية، وكان باين عليه الخجل والذنب اللي مش مفارقينه من ليلة الحادثة. قعد قدامها، وبص لها بنظرة كلها شفقة وندم، وأخد نفس طويل وقال: ـ "برضه مفيش أي حاجة افتكرتيها؟ أي اسم.. أي مكان.. أي وش جالك في بالك حتى؟" بصت له بضياع، وهزت رأسها ببطء، وجاء صوتها مبحوح ومكتوم: ـ "ولا حاجة.. كل ما أحاول أفتكر، بحس بصداع يفرتك دماغي، وكأن في جدار أسود واقف بيني وبين كل حاجة قبل الحادثة. أنا مش عارفة أنا مين، ولا اسمي إيه." نزل الراجل رأسه في الأرض، وقال بأسى: ـ "أنا آسف.. صدقيني كل يوم بيمر عليا وأنا بشوفك كده، بحس إن ذنبك في رقبتي. لولا الفرامل اللي خانتني في الليلة دي، ما كانش زمانك في الضياع ده. أنا سألت في كل المستشفيات والأقسام القريبة من مكان الحادثة، محدش بلغ عن غياب بنت بملامحك خالص." سكتت شوية، ومسحت دمعة نزلت على خدها، وابتسمت ابتسامة باهتة: ـ "حضرتك عملت معايا أكتر من اللي أي حد يعمله.. نقلتني المستشفى وقعدت جنبي لحد ما قمت، واستضفتني في بيتك مع أسرتك كل الشهور دي.. أنا مش زعلانة منك يا أستاذ سليم، ده قدر." ساد الصمت ثواني، قبل ما تبص له بإصرار ونظرة مصممة: ـ "بس أنا مش هقدر أضل قاعدة كده أكتر من كده.. أنا خفيت تماماً. محتاجة أنزل أشتغل.. محتاجة أحس إن ليا قيمة أو أعتمد على نفسي لحد ما الذاكرة ترجع لي." استغرب سليم وقال: ـ "تشتغلي؟ تشتغلي إيه بس وأنتِ لسه مش فاكرة حاجة؟ وبعدين البيت بيتك.." قاطعته برفق: ـ "عارفة والله.. بس القعدة دي بتقتلني. أي شغلانة بسيطة أقدر أعملها." فكر سليم شوية، وافتكر مكالمة مع صاحبه من كام يوم، وبص لها وقال: ـ "طب إيه رأيك.. في شغلانة ممتازة وأمينة جداً، وعن طريقي أنا؟" رفعت عينيها باهتمام: ـ "شغلانة إيه؟" سليم بجدية: ـ "صاحبي، راجل أعمال كبير، عنده طفلة رضيعة ومحتاج حد يكون أمين يعيش معاهم في القصر ويهتم بالبنت.. هو يدور على واحدة ثقة جداً بقاله فترة، وأنا أضمنك برقبتي.. إيه رأيك؟" أول ما سمعت كلمة "طفلة رضيعة"، حست بنبضة غريبة وسريعة في قلبها، وكأن جسمها استجاب للكلمة قبل عقلها. ما فهمتش سبب القشعريرة دي، بس هزت رأسها بالوافقة على طول: ـ "موافقة.. طالما طفلة، أنا موافقة جداً." في قصر الجارحي... كان الجو متوتر جداً. صوت عياط الطفلة الصريخة جايب آخر القصر. ياسين الجارحي كان رايح جاي في الصالة، فك أزرار قميصه، وشعره متنعكش من كتر ما كان بيمرر إيده فيه بغضب وعجز. بص لمدير أعماله وصرخ فيه بحدة: ـ "يعني إيه مش عارفين تلاقوها؟! الملايين اللي بتتدفع للشركات والحراس دول بيروحوا فين؟! ست مشيت في الشارع وشايلة طفلة، الكاميرات ما جابتهاش؟! الأرض انشقت وبلعتها؟!" رد مدير الأعمال بتوتر: ـ "يا ياسين بيه، الكاميرات في الليلة دي كان فيها عطل، وسجلات العربيات مسجلتش حد نزل هناك.. احنا دورنا في كل المستشفيات والـ DNA أكد إن البنت بنتك، بس الست مالهاش أي أثر كأنها أختفت!" ضرب ياسين بإيده على الترابيزة بقوة: ـ "اختفت إزاي يعني! الست دي لعبت لعبتها ورمت البنت عشان تذلني! أقسم بالله لما تقع تحت إيدي، لا هرحمها ولا هخليها تشوف النور تاني.. هعرفها إزاي ترمي لحمها وتلعب مع ياسين الجارحي!" في اللحظة دي، خرجت المربية من أوضة الطفلة مرعوبة: ـ "يا بيه.. البنت ريقها جف من العياط ورافضة اللبن خالص.. ومش راضية تسكت!" توقف ياسين عن الكلام، وبص ناحية الأوضة بصدمة وعجز مكتوم، صوت العياط كان بينهش في قلبه، وقال بغضب: ـ "ادخلوا لها تاني.. اتصرفوا!" التفت لمدير أعماله وقال بنبرة قاسية: ـ "دوروا تاني.. جيبوها لي هنا.. ولو تحت الأرض!" يتبع