الممرضه حكايات بسمه

والجاكت اللي لابساه فوق يونيفورم التمريض.
وقال:
— استني.
مريم بصت له.
— ليه؟
— إنتِ بالكاد واقفة على رجلك.
— أنا كويسة.
— إنتِ مش كويسة.
سكتت.
فكملت وهي بتحاول تمنع دموعها:
— جدتي ماتت وأنا كنت في المستشفى… كان عندي مريض بيموت. ماقدرتش أسيبه. ولما خلصت، كانت جدتي ماتت.
صوتها اتكسر.
— دلوقتي حتى لو نزلت… مش هالحقها.
ياسين فضل باصص لها ثواني.
وبعدين قال:
— خليكي هنا.
مريم عقدت حواجبها.
— إيه؟
— الطيارة رايحة
المنصورة.
— حضرتك هتوديني؟
— آه.
— بس إنت ماتعرفنيش.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— ودي أول مرة من سنين حد يدخل طيارتي بالغلط… وأول حاجة يعملها إنه يحاول يمشي.
مريم ماعرفتش ترد.
وبعد لحظات، الطيارة بدأت تتحرك.
مريم قعدت جنب الشباك وهي حاسة إن كل حاجة حواليها مش حقيقية.
بعد شوية، ياسين سألها:
— كانت جدتك عاملة إزاي؟
السؤال البسيط ده خلا دموعها تنزل.
وحكت له عنها.
عن الفطير اللي كانت بتعمله كل جمعة.
عن ريحة القهوة في الصبح.
عن صوتها وهي بتصحّيها للمدرسة.
وعن علبة الصفيح اللي كانت بتحوش فيها كل جنيه زيادة علشان مريم تكمل تعليمها.
ياسين سمعها للآخر.
وبعدين قال:
— واضح إنها كانت ست عظيمة.
مريم مسحت دموعها.
— كانت أعظم واحدة في حياتي.
سكت شوية، وبعدين سألته:
— وإنت؟ إيه اللي جابك للمنصورة؟
ملامحه اتغيرت.
وقال:
— جاي أبيع بيت أبويا.
مريم استغربت.
— أبوك؟
— مات من أسبوع.
سكت
لحظة، ثم أضاف:
— وأنا ماكنتش جنبه.
مريم بصت له.
— ليه؟
ابتسم بسخرية مريرة.
— كنت مشغول.
الكلمة خرجت منه كأنها بتوجعه.
وبعدها قال:
— قضيت 22 سنة وأنا بقول لنفسي إن عندي وقت أصلح كل حاجة.
مريم بصت في الأرض.
لمحة نيوز
— الوقت مش دايمًا بيستنى.
ياسين رفع عينه لها.
ولأول مرة، نظراته اتعلقت بيها بطريقة مختلفة.
قال:
— إنتِ ممرضة من إمتى؟
— 11 سنة.
— وبتعرفي تتعاملي مع الموت؟
ضحكت بحزن.
— محدش بيتعود عليه.
— شكلك متعودة.
— لأ… أنا بس اتعلمت إزاي أخبي خوفي.
فضل ساكت.
لحد ما الطيارة وصلت.
وقبل ما تنزل، ياسين قال:
— عربيتي هتوصلك للمقابر.
مريم هزت راسها.
— شكرًا.
مد لها كارت.
— ولو احتجتي أي حاجة هنا… كلميني.
— مش هحتاج.
ابتسم.
— الناس دايمًا بتقول كده.
نزلت مريم.
ووصلت قبل الدفن بدقايق.
ولأول مرة من يومين، قدرت تنهار.
بعدها بأربعة أيام، كانت قاعدة لوحدها في بيت جدتها.





