حكايات محمد نور

بعد خمس عشرة سنة من الانتظار ليطلب يدي، قال إنني «كَبُرتُ أكثر من اللازم» على ذلك الفستان… لذا قررتُ أن أتوّج ملكةً لغيره.
رافقْتُ صديقتي المقربة لانتخاب فستان زفافها، ومن باب الدعابة، وجدْتُني أرتدي واحدًا أيضًا.
كان أبيضَ، أنيقًا، بظهرٍ مكشوف.
وحين وصل “عمر” ليأخذنا من أمام دار الأزياء، أطلقت “سارة” ضحكةً وقالت له:
— “عمر”، انظر إلى “مريم”. أليست كاللمعة؟ بهذا المعدل سأضطر لتزويجكما بنفسي.
شعرتُ بقلبي يقرعُ ضلوعي. بعد خمسة عشر عامًا من الخطوبة والانتظار، كان هناك جزءٌ ساذجٌ في داخلي يرجو أن يبتسم، ويقترب ليقول:
«نعم.. حان الوقت.»
لكن “عمر” لم يكد يرفع بصره عن هاتفه. رمقني لثانيتين، ثم قال:
— “اخلعيه. لم تعودي في العشرين، وهذه الموديلات لا تناسبُ سنّكِ.”
تجمدت البسمة على شفتاي، وصمتت “سارة”، بينما تظاهرت العاملات بالانشغال.
ولما رأى نظرتي، تنهد وكأنني العبء، ودنا ليمسّ وجنتي:
— “سنتزوج عاجلًا أم آجلًا، لمَ كل هذا الاستعجال؟ لا داعي لهذه التصرفات لتضغطِي عليّ.”
أزحتُ يده.
كنتُ في الرابعة والثلاثين، وفي تلك اللحظة بالذات أدركتُ ما كان ينبغي فهمه منذ زمن: في كافة مخططات “عمر” المستقبلية، كنتُ أوجدُ دومًا تحت كلمة «يومًا ما».. بلا تاريخٍ محدد، بلا قرارٍ حاسم، ودون أن أكون أولويةً قط.
والطريف أنه لم يعد يهم، لأنني بنهاية هذا الشهر… سأزفّ عروسًا.
لكن “عمر” لم يكن يعلم بعد.
في غرف قياس الملابس، نظرتُ إلى المرآة. نعم، لم يعد جسدي كابنة اثنين وعشرين عامًا، وقرب كتفي تسكن ندبةٌ رفيعة.. ندبةٌ حفرت سنواتٍ مضت حين ألقيتُ بنفسي أمام “عمر” لأحميه من طعنة خنجرٍ في شجارٍ بالشارع. يومها بكى في المشفي ووعدني:
— “مريم، حين نكمل خمس سنوات معًا، سأعقد قراني عليكِ.”
خمس سنوات.. ثم عشر.. ثم خمس عشرة.. وأنا ما زلت أقتفي أثر الوعد.
خارج المتجر، كان يتأنق للرحيل:
— “لديّ عشاء عمل الليلة، يمكن لـ “سارة” إيصالكِ إلى بيت أهلكِ.”
في تلك اللحظة أقبلت “لينا”. مذيعة راديو، حسناء، شابة، ومؤخرًا.. لا تفارق ظله.
تأبطت ذراعه بتلقائية وقالت:
— “مريم، سأستعير “عمر” قليلاً، وسأدعوكِ لقهوة في يوم آخر.”
خرجا سوية، وللمرة الأولى لم أشعر بالغيرة.. بل بالخزي. ليس منهما، بل من نفسي؛ لأنني ارتضيتُ لسنوات أن أكون الخطيبة التي تنتظر في بيت أهالها، بينما تجلس أخرى بجانبه أمام العلن.





