حكايات محمد نور

قالت “سارة” بغضب:

— “الجميع يتهامسون بأنها ‘توأم روحه’! يرافقها لكافة المناسبات ويخفيكِ أنتِ. لا تدعيه يسرق منكِ خمس سنوات أخرى!”

أردتُ الدفاع عنه، أردتُ القول: «عمر لن يفعل بي هذا»، لكن لساني عقد.

لأنني قبل شهر، سمعتُ ما ما زال يطاردني.

كنتُ عائدةً بسيارتي ليلاً، وحين أدرتُ المذياع مصادفةً على برنامج “لينا”، اتصل رجلٌ على الهواء، وعرفتُ نبرته فورًا.. كان “عمر”.

قال:

— “خطيبتي لا تكف عن الحديث عن الزواج. كانت لطيفة، لكنها أصبحت ثقيلة مع السنوات، وكأنها مناورة لإجباري.”

سألته “لينا” ضاحكة:

— “وهل ما زلت تحبها؟”

ساد الصمت لثوانٍ، ثم أجاب:

— “أحيانًا أقول لنفسي.. لو علمتُ أننا سننتهي هكذا، لكان من الأفضل ألا نبدأ.”

فقدتُ السيطرة على المقود، واصطدمت سيارتي بالحاجز الحديدي. وفي الطوارئ سألتني الممرضة:

— “هل نتصل بأحد أقاربكِ؟”

فكرتُ في “عمر”، وأجبت:

— “لا.”

حين زارني في بيت أهلي في تلك الليلة، بذراعٍ معصبة وكدمةٍ في جبهتي، كان يفتح المذياع في صالون بيتنا ليستمع لبرنامج “لينا”، ولم ينتبه حتى لجراحي.

الآن فهمتُ السبب.. لم يكن الأمر أنه لم يَرَها، بل لم تكن تهمه من الأساس.

في وقتٍ متأخر من تلك الليلة، مرّ على بيت أهلي ليطمئن شكليًا، وكانت رائحته تفوح بالخمر وعطر “لينا” السكري. لم أستقبله بحفاوة كعادتي، فتقطب جبينه:

— “هل ما زلتِ غاضبة؟ “لينا” ترافقني فقط لأنها تجيد التعامل مع الشخصيات الهامة. فور انتهاء هذه الفترة المزدحمة سنتحدث في أمر الزفاف، اتفقنا؟”

طالعته لثوانٍ.. خمس عشرة سنة، خمسة عشر عيد ميلاد، وخمسة عشر أملًا بانتظار تاريخٍ محدد. وفجأة، حطّ عليّ هدوءٌ غريب.

— “عمر.. انتهى ما بيننا.”

ضحك خفيفًا وهو واقفٌ عند الباب:

— “لا تبدئي مجددًا.”

رنّ هاتفه باسم “لينا”، فاستدار مغادرًا:

— “إنها مريضة وتستغيث بي لآتيها بالدواء.”

وقبل أن يخرج التفت:

— “وفكري جيدًا.. أنتِ في الرابعة والثلاثين، إن تركتِني، فالأرجح أنكِ ستنتهين مع رجلٍ مطلّق.”

هززتُ رأسي:

— “الطقس بارد، أغلِق معطفك جافيًا.”

تغيرت ملامحه، ولأول مرة بدا عليه الارتباك.

بعد خروجه، جلستُ في غرفتي ببيت أهلي. فتحت درج مكتبي لأخرج صندوقًا مليئًا برسائل مراهقتنا. في إحداها كتب:

«مريم، سأدرس حتى أصل لجامعتكِ، وحين أصل.. هل تقبلين بي؟»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *