حكايات محمد نور

ضيق “عمر” عينيه بغضب:

— “منذ متى وأنتِ تقابلينه خلف ظهري؟”

تلك التهمة جعلتني أطلق ضحكةً مريرة لم أستطع كبحها:

— “خلف ظهرك؟”

— “لا تتصنعي الغباء يا مريم!”

— “عمر.. أنت منذ أشهر تظهر في العشاءات والمهرجانات وحفلات الافتتاح وفي يدك امرأة أخرى. خرجتَ ليلة أمس متأخرًا لأن “لينا” تشكو مغصًا وتحتاج منك شخصيًا أن تشتري لها الدواء، ثم تأتي الآن لتجعل مني أنا المتهَمة؟”

— “لينا لا تعني لي شيئًا!”

— “لم يعد يهمني ما تعنيه لك.”

كانت هذه الجملة بالذات هي الطعنة التي أدمته. رأيتُ ذلك في عينيه؛ فقد كان مستعدًا لتقريعي، لدموعي، لشجارٍ حاد، أو حتى لمطالبته بتفسير.. لكنه لم يتخيل يومًا أن يرتطم بجدارِ بلاغتي ولامبالاتي.

— “مريم، كفي عن هذه اللعبة.”

— “أنا لا ألعب.”

أخرجتُ هاتفي وفتحتُ صورة دعوة الزفاف الرقمية:

«دانيال بنك & مريم مراد»

السبت، 5 أيلول

حفل خاص

قرأ “عمر” كل كلمة، ثم رفع عينيه إليّ:

— “بعد أسبوع واحد؟!”

— “نعم.”

— “ستتزوجين رجلًا لا تجمعكِ به حتى علاقة؟”

— “أعرفه منذ ستة عشر عامًا.”

— “معرفة شخصٍ لا تعني أنكِ تحبينه!”

تنفستُ بهدوء وقاطعتُه:

— “ولا البقاء مع شخصٍ لخمس عشرة سنة يعني أنه سيختاركِ يومًا ما.”

شلت تلك الكلمات لسانه. أخذتُ نفسي وأومأتُ له. وحين هممتُ بالابتعاد نحو الباب، أمسك بذراعي مجددًا، وهذه المرة بقوة أكبر:

— “لا يمكنكِ فعل هذا!”

توقفتُ ونظرتُ إلى يده:

— “فعل ماذا؟”

— “الزواج!”

— “بل أستطيع وبكل بساطة.”

— “قبل يومين فقط كنتِ تريدين الزواج مني!”

— “لا..” هززتُ رأسي بنفيٍ جازم: “قبل يومين، كنتُ ما أزال أحاول استيعاب حقيقة أنك لم تكن تريد الزواج مني قط.”

رخيت أصابعه بالتدريج:

— “هذا غير صحيح.”

— “إذن أخبرني.. متى؟”

— “ماذا؟”

— “متى كنتَ ستطلب يدي للزواج؟”

لم يجِب.

— “هذا العام؟”

صمت.

— “العام القادم؟”

صمتٌ آخر.

— “عندما أصل إلى الأربعين؟”

تشنج فكّه:

— “مريم.. كفى!”

— “عند الخمسين إذن؟”

— “قلتُ كفى!”

— “هذا ما ظننته تمامًا.”

نزعتُ خاتمه القديم ووضعته على الطاولة أمام أنظاره، ثم خرجتُ من منزل أهلي متجهةً نحو الشارع. لم أبكِ إلا عندما دخلتُ المصعد؛ حينها أُغلقت الأبواب، ولم تعد قادماي تحملانني. خرتُ جثوًا واستندتُ إلى الجدار، واضعةً يدي على فمي لأكتم صوت نحيبي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *