حكايات محمد نور

ذلك الفتى كان قد مات منذ زمنٍ بعيد.
في الصباح التالي، جاء “عمر” إلى بيت أهلي مجددًا. استقبلته في غرفة الضيوف، وحين رآني هادئة تجمد مكانك.
— “هل تظنين أنكِ بهذه التصرفات تخيفينني؟”
لم أجبه، وبسكونٍ رفعتُ يدي وخلعتُ خاتم الخطوبة القديم الذي يطوّق إصبعي منذ سنين، ووضعته على الطاولة أمامه.
تلاشت ابتسامته، وأمسك بمعصمي:
— “حسناً، فهمت! تريدين الزواج؟”
تنفس بعمق وتابع:
— “ألم تكوني تحلمين بدعوةٍ بين الجبال والثلج؟ سننظمها.. الشهر القادم نلتقط الصور، وبعدها العرس.”
قبل خمس عشرة سنة، بَكيتُ فرحًا.. وقبل خمس سنوات، وافقتُ فورًا.. وحتى قبل شهر، ربما ههتُ بنعم.
أما الآن، فقد أخذتُ نفسي في صمت.
تفرّس في وجهي:
— “ما بكِ؟”
أزحتُ يده:
— “لا داعي لتنظيم أي شيء.”
— “ماذا تقصدين؟”
وقفتُ وسرتُ نحو باب الغرفة، وقبل أن أتركه التفتُ إليه:
— “أقصد أن زفافي قد نُظِّم بالفعل.”
تسمر مكانه:
— “أيُّ زفاف؟”
نظرتُ إليه للمرة الأخيرة:
— “زفافي أنا.. عقدي يوم السبت القادم.”
وحين نطقتُ باسم الرجل الذي سيكون زوجي…
غابت الدماءُ عن وجه “عمر” تمامًا.
— “مَن؟” تساءل “عمر” باستهجان.
لم أُجبه على الفور.
كان من الغريب أن أراه على هذه الحال؛ فلطالما كنتُ أنا من تنتظرُ إجابةً منه بينما يقرر هو متى يتحدث، متى ينصرف، متى يعود، ومتى يوهمني بأن مستقبلا المشترك على وشك أن يبدأ. والآن، وللمرة الأولى في حياتنا، كان هو من ينتظر.
— “مع دانيال بنك.”
ساد المكان صمتٌ مطبق. أنزل “عمر” يده عن معصمي، وتراجع خطوة:
— “دانيال؟”
قالها وكأنه لم يسمع الاسم جيدًا. لم يكن الأمر مستغربًا؛ فدانيال درس معنا في الجامعة، ثم غادر إلى “شيكاغو” ليحتل موقعًا بارزًا كمهندس معماري، قبل أن يعود مؤخرًا ليتولى إدارة الشركة العائلية. كان “عمر” يعرفه جيدًا، بل كانا في فترةٍ مضت صديقين.
— “هذا مستحيل!”
ابتسمتُ ببرود:
— “ولا أرى فيه أي استرابة.”
— “لأن دانيال لم يكن يومًا…”
وتوقف عن الكلام. كان يعلم تمامًا كيف سينهي تلك الجملة. دانيال لم يرتبط بامرأةٍ علنًا قط، كان رجلًا كتومًا يُحيط حياته بالخصوصية، والأهم من ذلك… أن دانيال لم يُخفِ يومًا أنني أعنيه؛ لا عندما كنا طلابًا، ولا حين بدأتُ علاقتي بـ “عمر”، ولا حتى بعد مرور السنوات.. رغم أنه لم يتجاوز حدوده أبدًا. فحين علم بارتباطي بـ “عمر”، انسحب بهدوء، واقتصرت صلته بي على تهنئةٍ في عيد ميلادي، أو بطاقةٍ في المناسبات، أو مكالمة مقتضبة حين تجبرنا ظروف العمل على التواصل.





