حكايات محمد نور

تابع بنبرة صادقة:
— “لا أطلب منكِ أن تمحي خمسة عشر عامًا في أسبوع، بل أطلب أن نبدأ شيئًا جديدًا وقويمًا. وزفافنا المباشر هو لأننا سننتقل قريباً، ووالدتي ترغب في حضور عقد قراننا قبل أن تبدأ علاجها، ولأنني كَبُرتُ على التظاهر بأنني أحتاج سنوات لأعرف إن كنتُ أريد بناء بيتٍ معكِ أم لا.. وإذا رفضتِ، سأعيد الخاتم لجيبي وسنظل أصدقاء، ولن أعاقبكِ على قراركِ.”
نظرتُ للعلبة، ولم أفتحها وقتها:
— “أنا خائفة.”
— “أعلم.”
— “ولا أعلم إن كنتُ أستطيع حبك كما…”
قاطعني برفق:
— “لا أريدكِ أن تحبيني كما أحببتِ “عمر”.. أريدكِ يومًا ما أن تحبيني كما أستحق أن أُحَب.”
تأخرتُ أربعة أيام قبل أن أرد عليه؛ أربعة أيام لم يضغط عليّ فيها مطلقًا. وفي اليوم الرابع اتصلتُ به:
— “هل ما زال العرض قائمًا؟”
— “نعم.”
— “إذن أنا مستعدة.”
ليلة الحفل، جاءت صديقتي “سارة” إلى غرفتي في منزل أهلي ومعها طاقة من الذهول:
— “هل جننتِ يا مريم؟! ستتزوجين خلال أيام من دانيال؟!”
— “نعم.. لأول مرة أشعر أنني أختار رجلاً يتقدم نحوي بخطى ثابتة بدلاً من رجل أركض خلفه.”
أما “عمر”، فقد انهالت اتصالاته ورسائله من أرقام مختلفة بعد أن حظرتُ رقمه:
«أنتِ تتصرفين باندفاع!»
«يمكننا الزواج قبل حفلهم!»
تأملتُ رسالته الأخيرة مليًا: «يمكننا الزواج قبلهم!».. لم يقل “أحبكِ”، لم يقل “سامحيني”، كان الأمر بالنسبة له مجرد سباق ومسألة استحقاق. أرسلتُ له ردي الأخير:
«الق\ضية ليست مَن يعقد قرانه أولًا يا عمر، بل مَن أراد أن يستيقظ وهو يحترم الشخص الذي بجانبه.» ثم حظرتُ الرقم.
وقبل يومين من عقد القران، زارتني “لينا” في مكتبي بملابس متخفية ومظاهر إرهاق بائنة.
— “عمر فقد عقله.. جاء لشقّتي ليلة أمس.”
— “هذا أمرٌ لا يعنيني.”
— “لم يأتِ من أجلي يا مريم.. بل كان يبحث عن وسيلة للوصول إليكِ.”
ثم أخرجتُ من حقيبتها التسجيل الصوتي الكامل لبرنامجها الإذاعي، بما في ذلك الحوار الذي دار في الفاصل بعد مكالمة “عمر”. كان صوته يتردد في التسجيل بوضوح وهو يجيبها حين سألته لمَ لا يترك خطيبته:
«لا أستطيع تركها.. لأن مريم لن تذهب إلى أي مكان، لقد اعتادت عليّ تمامًا، وبعد كل هذه السنوات أين عساها تذهب؟»
لم تبكِني تلك الكلمات، بل أراحت قلبي؛ لأنها أثبتت لي أن “عمر” لم يكن يؤجل زواجنا خوفًا أو انشغالًا، بل لأنه كان واثقًا أنني ضامنةٌ في جيبه ولن أجرؤ على الرحيل.





