حكايات محمد نور

في السيارة، كان الصمت أرحم من الكلام، لكنه هو ما دفعني في النهاية للحديث. أخبرته عن برنامج “لينا” الإذاعي، وعن الاتصال، وعن صوت “عمر” وهو يقول على الهواء: «أحيانًا أقول لنفسي لو علمتُ أننا سننتهي هكذا، لكان من الأفضل ألا نبدأ.»
قبض دانيال على عجلة القيادة بقوة. لم يشتم “عمر”، ولم يقل لي “اتركيه”، بل سألني بوقار:
— “مريم.. هل أنتِ سعيدة؟”
تطلعتُ إلى أضواء المدينة المتلألئة عبر الزجاج، ولم أجد جوابًا. أومأ دانيال بفهْم:
— “هذا الصمت إجابة كافية.”
خلال الأسابيع التالية، تحدثنا بضع مرات؛ اتصالات عادية عن العمل أو عن صحة والدته. وفي إحدى الأمسيات أخبرني أنه يسعى لتسوية بعض أموره قبل السفر إلى الخارج لإدارة مشروع كبير. ثم أردف:
— “قبل أن أخطو هذه الخطوة، أريد أن أسألكِ شيئًا واحدا: لو مرت خمس سنوات أخرى، ووجدتِ حياتكِ على هذا النحو تمامًا.. هل ستكونين راضية؟”
ظلت كلماته تطاردني ليل نهار. خمس سنوات أخرى؟ خمسون عذرًا من “عمر”، خمسون تأجيلًا، وأنا أنتظر في بيت أهلي أترقب تاريخًا لن يأتي، متسائلةً عن النقص فيّ الذي يمنع الرجل الذي يزعم حبي من اتخاذ خطوة شجاعة نحو عقد قراني.
حينها أدركتُ أن خوفي الحقيقي لم يكن من خسارة “عمر”.. بل من خسارة سنواتٍ أخرى من عمري.
بعد ثلاثة أيام، اتصلتُ بـ دانيال والتقينا في مطعم هادئ.
— “سأنهي خطوبتي.”
وضع دانيال شوكته جانباً ونظر إليّ:
— “بسببي؟”
— “لا.”
— “هذا جيد.. فلن أقبل أن أكون مخرج طوارئ لأحد.”
ابتسمتُ برغم الشجن. تلك العبارة كانت السبب الرئيسي الذي جعلني أشعر بأمانٍ مختلف تجاهه.
دانيال كان يستعد للانتقال إلى سويسرا كشريك أساسي في مشروع دولي، وأنا كنت قد تلقيتُ منذ أشهر عرضًا مغريًا من الشركة نفسها لتولي تصميم التصاميم الداخلية، لكنني كنت أرفضه مرارًا لأن “عمر” كان يرفض فكرة سفري أو انتقالي.
— “هل ما زلتِ ترغبين في هذه الفرصة؟” سألني دانيال.
— “نعم.”
— “إذن خذيها.. ما الذي يمنعكِ الآن؟”
فتحتُ فمي، واكتشفتُ أنه لم يعد لدي عذر. كان “عمر” هو العائق الوحيد، وبزواله تلاشت كل الحجج.
وبعد يومين، دعاني دانيال للحديث، ثم قدّم لي علبة صغيرة بهدوء دون استعراض:
— “قبل أن تقولي شيئًا، اسمعيني. لا أريدكِ أن توافقي لأنكِ مجروحة، ولا لتثبتي شيئًا لـ “عمر”. أنا أحببتكِ منذ أن كنا في العشرين، لكنني لم أُعطل حياتي؛ عشتُ، وعملتُ، وسافرتُ.. ومع ذلك، كلما رأيتكِ، أجدني أتمنى لو أنني أستيقظ وأنتِ معي حين نبلغ السبعين.”





