حكايات محمد نور

صباح عقد القران، كانت الثلوج تتساقط بنعومة. أُقيم الحفل المصغر في قاعة جبلية هادئة بضواحي المدينة، وهو المكان الذي طالما تمنيتُ عقد قراني فيه وحفظتُ صوره لسنين. دانيال لم يحتج خمسة عشر عامًا لتحقيق أمنية بسيطة لي؛ رأى الصور مرة واحدة فنظم الأمر.
ارتديتُ فستانًا أبيضَ أنيقًا يظهر جزءًا من كتفي، مع إبراز تلك الندبة القديمة. حين اقترحت المنسقة تغطيتها بالدانتيل، رفضتُ؛ فتلك الندبة كانت دليلًا على ما بذلته في الماضي، والآن أصبحت تذكارًا بأنني نجوت.
وقبل أن تبدأ مراسم العقد، فُتحت الأبواب الخلفية، وظهر “عمر”.. معطفه أسود وحبات الثلج تعلق بشعره، يلهث كمن ركض دهرًا.
تطلع الحضور إليه في ذهول. وقف دانيال بثبات، ولم يحاول طرده بل ترك لي الخيار.
تقدم “عمر” بنبرة متوسلة:
— “مريم.. لا يمكنكِ فعل هذا! لقد أعدَدْتُ الخاتم، ها هو!” أخرج علبة مخملية وبداخلها ماسة براقة: “تزوجيني أرجوكِ!”
مشهدٌ طالما حلمتُ به لخمس عشرة سنة، وحين تحقق أمامي أخيراً… لم أشعر بأي شيء.
— “لا يا عمر.”
— “لماذا؟ أنا أحبكِ!”
— “ربما أحببتني بطريقتك.. لكنك مع الوقت كففتَ عن محبتي كإنسانة، وصرتَ تحبني كيقينٍ ثابت لا يتغير. لقد ظننتَ أنني لن أستطيع الرحيل.. ولكني تعلمتُ كيف أستغني.”
حاول أن يلتفت إلى دانيال مستنكرًا:
— “وهل تظن أنك فزتَ بها؟”
رد دانيال بهدوءٍ يزن الجبال:
— “مريم ليست غنيمة لأفوز بها.. وحتى لو قررت الانصراف الآن، فهي لن تكون ملكًا لك.”
انسحب “عمر” مكسورًا قبل أن تُتم المراسِم، ودون أن ألتفت خلفي.
وعندما جاء دور الفقر المتبادلة في عقد القران، قال دانيال وهو يمسك بيدي بثبات:
— “لا أعدكِ بأن تكون حياتنا خالية من الخلافات، لكنني أعدكِ بأمرٍ واحد: لن أجعل حبكِ أبدا غرفة انتظار.”
ابتسمتُ والدموع في عينيّ، ورسخ في يقيني أنني اخترتُ الصواب؛ ليس لأن دانيال أكثر ثراءً أو وسامة، بل لأنه يفهم أن الحب لا يعني امتلاك مستقبل الآخر، بل المشي بجواره.
مرّ عامٌ كامل على زواجنا. لم تكن الحياة خالية من التباينات الصغيرة؛ كاختلاف تفاصيل العمل وساعات النوم، لكن الفرق الحقيقي كان في طريقة الشجار والاحتواء. لم يغادر دانيال المنزل يومًا ليتركني معلقة، ولم يجعلني أشعر بالذنب لأنني عبرتُ عن رأيي.





