حكايات محمد نور

لم أكن أبكي لرغبتي في العودة إليه، بل كنتُ أبكي لأنني أدفنُ المرأة التي كنتُها لمدّة خمسة عشر عامًا.. المرأة التي جعلت الصبر فضيلة، والتي خلطت بين الاعتياد والحب، وظنت أن طول الانتظار يعني عمق الوفاء.
وحين وصل المصعد إلى الطابق الأرضي، كان هناك من ينتظرني.
دانيال.
بدلةٌ داكنة، قميصٌ أبيض، وبلا رابطة عنق. كان قد قاد سيارته فورًا بعد انتهائه من اجتماع عمل. وحين رآني أبكي، لم يطرح سؤالًا واحدًا. أخذ بيدي وقال بنبرة هادئة:
— “هل نغادر؟”
هاتان الكلمتان أحدثتا زلزالًا هادئًا في داخلي.
لم يقل: “لننتظر”.
لم يقل: “يومًا ما”.
لم يقل: “حين أجد وقتًا”.
قال فقط: “هل نغادر؟”
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، خطوتُ إلى الأمام.
قصتي مع دانيال لم تبدأ قبل أسبوع، بل بدأت في الواقع منذ سنواتٍ طويلة، غير أنني لم أكن أنظر إليها من الزاوية الصحيحة.
في الجامعة، كان دانيال هو الطالب الذي يجلس دومًا بجوار النافذة، يرقب الوجود بهدوء. أما “عمر” فكان النقيض تمامًا؛ صاخبًا، مندفعًا، وحاضرًا بكاريزما طاغية.. من ذلك النوع الذي يدخل المحاضرة متأخرًا ثم يجعل أستاذ المادة يبتسم. أُغرمتُ بألسنة اللهب تلك، وكان الهدوء الذي يمثله دانيال يبدو لفتات ابنة التسعة عشر عامًا أمرًا مملًا.
أتذكر أنه بعد أحد الامتحانات، رافقني دانيال إلى المكتبة وقال لي:
— “إذا تعبتِ يومًا من مطاردة العواصف، فجربي الجلوس بجوار النافذة.”
ضحكتُ يومها ولم أفهم أنه كان يتحدث عنا. وبعد فترة وجيزة، أعلنتُ ارتباطي الرسمي بـ “عمر”، فانسحب دانيال ولم يلمّح لأي شيء مجددًا. وبعد سنوات غادر البلاد، وتفرقت بنا الطرق.. حتى ليلة الحادث.
حين أفقتُ في قسم الطوارئ بعد أن صدمتُ سيارتي بالحاجز الحديدي، رأيتُ دانيال يجلس في الممر المقابل. كانت مصادفة؛ إذ نُقلت والدته في اليوم نفسه لإجراء جراحة بسيطة. وما إن رآني حتى عرفني فورًا وأقبل نحو الجناح:
— “مريم! ماذا حدث؟”
— “لا شيء خطير.”
— “هذا الضماد على ذراعك والكدمة على جبهتك لا يوحيان بذلك!”
حاولتُ التبسم، وفي تلك اللحظة اهتز هاتفي برسالة من “عمر”:
«لا تنسي أن تشتري البن غدًا.»
لم يكن يعلم حتى أين أنا.
لمس دانيال التغير في ملامحي، ولم يطرح أسئلة. اكتفى بتقديم كوب ماء لي، وحين تقرر خروجي من المشفي أصر على إيصالي.





