لومشيتي

​— “لو مشيتي دلوقتي، أوعي ترجعي فاكرة إنك هتلاقيني بشيل أمي وأنتِ رايحة تجري ورا أمك!”

​جوزي أحمد قال الجملة دي في التليفون.. وأنا واقفة في الصالة، إيد ماسكة المفاتيح والإيد التانية بتحاول تقفل شنطة الهدوم بالعافية وولادي واقفين يعيطوا. أبويا كان لسة مكلمني من الشرقية وبيصرخ: أمك دخلت في صدمة حساسية وهي بتنضف التربة بتاعة أخوكي الكبير عشان المولد.. الدبابير هجمت عليها وهي دلوقتي في العناية المركزة بين الحياة والموت!

​ثواني كدة.. حسيت إن ودني فيها صفارة، وماستوعبتش الكلمة:

— “أحمد! أنت بتقول ايه؟! أمي بتموت! أنا بس بطلب منك تروح من الشغل بدري شوية وتقعد مع طنط الليلة دي.. أنا بقالي سنين شايلها ومحدش بيفتح بقه!”

​رد عليا ببرود يرعب:

— “أبوكي معاها هناك، وبعدين هنا برضه في ست عيانة. من يوم ما اتجوزتي وأنتِ عارفة إن بيتك وجوزك هما أولويتك.”

​في اللحظة دي.. حسيت إن في حاجة جوايا اتكسرت بصوت عالي جداً، بس بصمت مرعب.

​أنا مكنتش كدة.. ولا هو كان كدة

​أنا كبرت في قرية صغيرة في الشرقية، أصغر إخواتي. أخويا الكبير إبراهيم كان دايماً يقولي “يا بنوتة البيت”. كان من نوعية الرجالة الجدعان.. اللي تلاقيه أول واحد يشيل مع الجيران، وياخد المريض على عربيته في نص الليل. عكس أخويا التاني إسلام.. ناصح، شاطر في الكلام والأعذار، واختفى تماماً من أي مسؤولية.

​لما نزلت القاهرة عشان أشتغل، إبراهيم ومراته شيماء شالوا أمي وأبويا على راسهم. إسلام ومراته رشا؟ ممكن ينسوا عيد ميلاد أمي ويفتكروه بعد أسبوع بمسج ناشفة.

​أتجوزت أحمد بعد ما حسيت إنه شبه إبراهيم أخويا. زمان.. كان بيسوق ساعتين ونص لحد الشرقية عشان يساعد أبويا في الغيط، ويجيب علاج أمي معاه من القاهرة، وما ينطقش بحرف ولا يمن على حد.

​وحتى حمايا وحماتي.. عم “حسين” وطنط “فايزة”، استقبلوني بحنية عمري ما هنسالهم قعدتهم. طنط فايزة كانت بتقعد تغزل لكاليك لولادي قبل ما يتولدوا، وعم حسين كان يحب يكتبلي حكم على أوراق صغيرة ويديهاني:

​”قبل ما تتكلمي وأنتِ زعلانة، عدي للـ 10.. وقبل ما تحكمي على حد، اسألي نفسك هو شايل ايه فوق كتافه.”

​الأيام دارت.. والقلوب اتغيرت

​بعد كام سنة.. طنط فايزة جاليها السرطان.

​أحمد شغلانته كانت بتسحبه باليومين، وعم حسين على باب الله معاشه صغير، ومي اخت أحمد الوحيدة عايشة في طنطا وما بتمسكش التليفون أساساً. أنا كنت واخدة إجازة رعاية طفل، فبقيت أنا اللي باخد طنط فايزة في إيدي للكيماوي، والتحاليل، والعمليات، وأسهر جنبها في المستشفى لما حرارتها ترفع.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *