لومشيتي

​وصلت المستشفى.. لقيت أبويا قاعد لوحده على الكرسي قدام العناية المركزة، مكسور وضاغط على إيديه.

إسلام أخويا؟ تليفون مغلق.

أحمد؟ زوج الـ 10 سنين.. ما بعتش حتى مسج يسأل “وصلتي ولا لأ؟”.

​قعدت جنب أبويا 5 أيام.. بنصلّي وبندعي، وأنا باخد بالي من ولادي وبحاول أكون قوية.

​في اليوم الخامس.. باب العناية اتفتح. الدكتور خرج.. كان باين على وشّه الكلام قبل ما ينطقه.

​بصلي وقال بصوت هادي: “البقاء لله..”

​في اللحظة دي.. لمست إيد أبويا، وبصيت للسقف.. وعرفت إن رحلتي القديمة انتهت تماماً. أمي راحت.. وجوزي مات في نظري.. وما فضلكيش يا عبير غير نفسك وأبوكي وولادك.

​رنيت على أحمد، ولأول مرة في حياتي أكلمه بنبرة مفيهاش أي خوف ولا تردد:

— “أمي ماتت يا أحمد.. والورقة اللي بيني وبينك ماتت معاها. العزا في الشرقية.. وأنت مالكش مكان فيه.”

 

​”الوشوش لما تتكشف.. والوداع الأخير”

​— “البقاء لله.. إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه.”

​أبويا جسمه اتنى ولَفّ حولين نفسه كأنه اتضرب بطلقة. أنا حطيت إيدي على الملاية اللي مغطية وش أمي، وصرخت باسمها لحد ما صوتي اتقطع تماماً. إحنا لسة كان بقالنا شهور دفنين إبراهيم أخويا.. ودلوقتي هي كمان بتروح وتسبنا؟!

​إسلام ظهر بعد 3 أيام كاملين من دخول أمي المستشفى.. ومراته رشا معاه.

— “أصل كان عندي شغل في الشركة ومكنش ينفع أسيب كل حاجة وأمشي.”

رديت عليه وأنا مش مصدقة:

— “أمك كانت بين الحياة والموت في العناية المركزة يا إسلام!”

رد ببرود يستفز الحجر:

— “أهي كانت لسة عايشة وماتت.. إحنا مكناش نعرف إن الموضوع خطير أوي كده!”

​كنت عايزة أضربه بكل الكبت والوجع اللي شايلام منه من صغرنا، بس أبويا مسك إيدي وقال بصوت مكسور:

— “مش هنا يا عبير.. أمك لسة قدامنا.”

​إسلام جه متأخر حتى على السرادق بتاع العزا. ورشا داخلة حاطة مكياج كامل كأنها رايحة معزومة على عشاء، وبعد ما سلمت على كلمتين، الاختفين هما الإثنين بالساعات! لقيتهم قاعدين في كافيه قريب من الصوان بياكلوا وبيشربوا قهوة.

— “أنتم بجد قاعدين تشربوا قهوة ومبسوطين وأبويا واقف لوحده على رجليه بياخد العزا؟!”

إسلام قام وهو متضايق:

— “أنتِ مش لوحدك اللي زعلانة على أمك على فكرة!”

— “لأ، بس أنا الوحيدة اللي مستوعبة إن أمنا راحت خلاص!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *