بيت العيله 2

أما أنا وسلفتي الثانية وأخت زوجي، فقد انقلبت حياتنا إلى جحيم. أزواجنا بدأوا ينظرون إلينا بنظرات الشك والريب، وأصبح زوجي يلومني باستمرار: “أنتم اللي وشكم شؤم على البيت! أنتم اللي قهرتم البت لحد ما خربتم البيت وجبتوا لنا الكلام في الشارع!”

تحولت جلسات الشاي والمؤامرات السابقة إلى مشادات يومية بيننا. أخت زوجي أصبحت تعايرنا، وأنا وسلفتي أصبحنا نتبادل الاتهامات عن المتسبب الأول في الطريقة التي كنا نعامل بها شيماء. أصبح البيت كأنه مأهول بالأشباح واللعنات؛ لا طعام له طعم، ولا فرحة تدخل القاعة، والصوت الوحيد الذي يعلو يوميًا هو صوت صراخ نادية وبكاء طفلها وخلافات أحمد المستمرة معها.

وفي أحد الأيام، اضطر أحمد لبيع سيارته الصغيرة واقتراض مبلغ من المال ليسدد بقية الديون التي تراكمت عليه للشرطة والمحامين ومؤخر الصداق. صار يشيخ قبل الأوان، يذهب إلى عمله وجهه ملبد بالهموم، ويعود لبيت لا يجد فيه سوى النكد والطلبات المعجزة من نادية.

وفي مساء يوم جمعة، جليست حماتي في البلكونة وحدها، تنظر إلى الحارة الشعبي. مرّت “أم أمل” الجارة من تحت البلكونة وهي تتحدث مع إحدى الجارات بصوت أسمع الجميع: “سبحان مغير الأحوال.. شيماء ربنا عوضها وفتحت مشروع أكل بيتي من شقة أخوها، والناس طوابير على أكلها ونضافتها، وربنا فتحها في وشها عشان مظلومة. أما الناس اللي ظلموها، شوفوا حالهم بقى عامل إيه!”

سقطت دمعة حارقة من عين حماتي، دمعة ندم متأخرة لا تنفع صاحبها. التفتت إليّ وأنا أضع أمامه كوب الشاي، وقالت بصوت مكسور يرجف: “إحنا عملنا إيه في نفسنا يا بَنتي؟ إحنا خربنا بيتنا بأيدينا عشان نكسر واحدة مالهاش حد.. أهو ربنا جاب لها حقها وخلى الدار تسود في وشنا.”

لم أستطع الرد عليها. نظرت إلى الأرض وشعرت بخزي يأكل أعماقي. كانت تلك هي اللحظة التي أدركنا فيها جميعًا أن السحر قد سحر الساحر، وأن الحساب البشري قد انتهى، ليبدأ الحساب الإلهي الذي سيتكفل بدفع ثمن كل دمعة وكل قهر أذقناه لتلك اليتيمة.

مرت السنون، ولم تكن الأيام كفيلة برأب الصدع أو معالجة الشرخ الذي أحدثه الظلم في بيتنا. تحول “بيت العيلة” الكبير من رمز للهيبة واللمة إلى هيكل متهالك ممتلئ بالضغينة والندم.

نادية، التي ظن الجميع أنها السند والواجهة التي ستبيض الوجه، استمرت في إذاقة حماتي وأحمد ألواناً من الجحيم. لم تكتفِ بالسيطرة على الشقة، بل تحولت حياتهم معها إلى سلسلة لا تنتهي من المشاجرات اليومية والصراخ الذي يسير به القاصي والداني في الحارة. لم تراعِ كبر سن حماتي ولا مرضها، بل كانت تتعمد إهانتها أمام الجيران بالطريقة نفسها التي كنا نضحك بها قديماً على شيماء، وكأن العدالة الإلهية أبت إلا أن تجعل العقاب من جنس العمل وبنفس الأدوات.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *