حكايات زهرة

لمحة نيوز
لحد ما جوزي افتكر حاجة.
قال: “استني… إنتِ فاكرة مين كان بييجي لنا كل سنة قبل عيد ميلاد الطفل؟”
بصيت له.
وفجأة افتكرت.
كان فيه راجل بييجي كل سنة تقريبًا يعمل صيانة للبيت.
نفس الشخص.
نفس الميعاد تقريبًا.
والأغرب…
كان دايمًا يصر إنه يدخل أوضة الطفل لوحده بحجة إنه بيفحص التوصيلات.
جوزي قال: “بس إنتِ بنفسك قلتي إن مفيش حد بيدخل البيت غيرنا.”
قلت: “أنا نسيت الشخص ده.”
رحنا ندور عليه.
لكن اكتشفنا إنه ساب البلد من شهور.
هنا دخلنا في دوامة جديدة.
هل كان هو السبب؟
ولا إحنا بنحاول نلاقي أي حد نعلّق عليه المصيبة؟
بلغنا الشرطة بكل اللي عرفناه، وبدأ التحقيق.
طلبوا كل التقارير القديمة، وكل التسجيلات، وكل صور الأطفال.
وبعد أيام، حصلت المفاجأة.
الشرطة لقت إن الشخص ده كان عليه بلاغات قديمة تخص سرقة أدوات من بيوت كان بيشتغل فيها.
لكن مفيش دليل إنه أذى حد.
اتقبض عليه للتحقيق، وأنكر كل حاجة.
كنت خلاص فقدت الأمل.
لحد ما الدكتور اتصل بيا في ليلة وقال:
“تعالي المستشفى.”
روحت وأنا مرعوبة.
لقيته ماسك ملف.
قال: “راجعت تحاليل الأطفال القديمة مرة تانية.”
قلت: “ولقيت إيه؟”
قال:
“في علامة واحدة اتكررت في السبع حالات.”
قربت منه.
قال: “كل الأطفال كان عندهم نقص شديد في مادة معينة، لكن السبب مش مرض وراثي بالشكل المعتاد.”
قلت: “يعني إيه؟”
قال: “يعني لازم نفحص الأم والأب.”
عملنا التحاليل.
والنتيجة كانت أغرب مما توقعت.
أنا كان عندي نفس النقص، لكن بنسبة بسيطة.
الدكتور سألني:
“إنتِ بتستخدمي إيه بشكل مستمر في البيت؟”
بدأت أفتكر كل حاجة.
منظفات.
أدوية.
مبيدات.
مياه.
أكل.
وبعدين افتكرت حاجة كنت بستخدمها يوميًا.
زجاجة مياه قديمة.
كانت بتتملأ من نفس مصدر المياه اللي الأطفال كانوا بيشربوا منه.
أخدنا عينة من المياه.
وبعد كام يوم ظهرت النتيجة.
كان فيه تلوث في المياه.
مش تلوث كفاية يقتل شخص بالغ بسهولة، لكن طفل صغير، جسمه ضعيف، ومع التعرض المستمر…
ممكن يحصل له انهيار شديد.
لكن السؤال فضل:
ليه كل طفل يموت عند سنة؟
الدكتور قال إن ده ممكن يكون مرتبط بتغير نظام تغذية الطفل بعد سن معين، وإن بعض الأطفال كانوا بيشربوا كمية أكبر من المياه في المرحلة دي.
يعني السنة ما كانتش لعنة.
كانت مجرد نقطة زمنية بيتغير فيها نمط حياتهم.
أما التوقيت المتكرر، فكان لأننا كنا بنعمل نفس الروتين كل سنة.
كنا بنحضر عيد الميلاد في نفس الوقت تقريبًا، وبعدها الطفل كان بينام، وكنا بنقعد جنبه.
و11:47 كانت ببساطة اللحظة اللي ظهرت فيها الأعراض الأخيرة.
وقتها انفجرت في العياط.
مش عشان عرفت إن فيه سبب…
لكن عشان فهمت إن أولادي ما ماتوش فجأة من غير سبب زي ما كنا فاكرين.
كان فيه سبب حقيقي.
سبب ما حدش اكتشفه في الوقت المناسب.
لكن القصة ما انتهتش هنا.
لأن التحقيق في مصدر المياه كشف حاجة أخطر.
التلوث ما كانش طبيعي.
حد كان بيلوث مصدر المياه عمدًا.
والشرطة بدأت تفتش في الموضوع.
بعد أيام، جوزي دخل البيت ووشه أصفر.
قال:
“عرفنا مين.”
سألته وأنا قلبي بيخبط:
“مين؟”
بصلي، وقال:
“أخويا.”
اتجمدت مكاني.
“أخوك؟ ليه؟”
قال:
“علشان كان عايز ينتقم مننا.”
طلعنا نعرف بعدها إن أخوه كان شايل منه بسبب خلاف قديم على ميراث، وكان فاكر إننا خدنا حقه.
لكن اللي عمله ما كانش مجرد انتقام.
كان جريمة كاملة.
والأصعب إننا اكتشفنا إنه كان بيستغل ثقتنا فيه، ويدخل البيت بحجة إنه بيجيب حاجات أو يساعدنا، وبدأ الموضوع من أول طفل.
أنا وقفت قدامه في النيابة وأنا مش مصدقة إن الإنسان اللي كنت بعتبره عم أولادي هو اللي تسبب في كل ده.
صرخت فيه:
“ليه؟! كانوا أطفال! ذنبهم إيه؟!”
ما ردش.
فضل باصص في الأرض.
وقتها حسيت إن الدنيا كلها ظلم.
سبع أرواح صغيرة راحت بسبب حقد إنسان.
سبع أعياد ميلاد ما اكتملوش.
سبع مرات كنت بستنى ابني يكبر قدامي، وفي كل مرة كنت بدفنه بإيدي.
بس وسط كل الوجع، كان فيه شيء واحد مطمني.
الحقيقة ظهرت.
وأخيرًا عرفت إن أولادي ما كانوش ملعونين، وإن ربنا ما كانش بيعاقبني، وإن اللي حصل له سبب حقيقي، حتى لو اكتشافه جه متأخر جدًا.
رجعت البيت بعدها، ودخلت أوضة الأطفال.
فضلت واقفة وسط السراير الصغيرة.
لمست أول سرير بإيدي، وبكيت.
وقلت:
“سامحوني يا ولادي… أنا دورت كتير، بس معرفتش أوصلكم.”
وفجأة، وأنا خارجة من الأوضة، سمعت صوت حاجة وقعت ورايا.
لفيت.
كانت صورة أول طفل وقعت من على الرف.
مسكتها، وبصيت لوشه الصغير.
ابتسمت وسط دموعي.
ولأول مرة من سبع سنين، حسيت إن قلبي رغم وجعه قدر يتنفس.
لأن الحقيقة مهما كانت قاسية…
أرحم بكتير من إن الإنسان يفضل طول عمره عايش في سؤال ملوش إجابة.
ومن يومها، قررت إن حكايتي لازم تتحكي.
مش علشان الناس تشوف مأساتي.
لكن علشان أي أم تلاحظ حاجة غريبة في طفلها ما تستسلمش لجملة “قضاء وقدر” من غير ما تدور على السبب.
الإيمان بالقضاء والقدر عمره ما كان معناه إننا نبطل ندور على الأسباب.
وأنا…
فضلت طول عمري أقول إن ولادي ماتوا في نفس السن.
لكن الحقيقة إنهم ما ماتوش بسبب السنة.
هم ماتوا بسبب سر كان مستخبي قدام عينينا سنين…
وإحنا ما اكتشفناهوش غير بعد ما فقدنا أغلى سبع حاجات في حياتنا





