حكايات زهرة

بصيت للتفصيلة الصغيرة دي، وحسيت إن الدنيا كلها وقفت.
كان جوزي واقف عند القبر، وإيده بترتعش وهو بيحاول يودع ابنه للمرة الأخيرة. وأنا عيني كانت مثبتة على حاجة صغيرة جدًا، حاجة محدش كان ممكن يتخيل إنها تكون مفتاح كل اللي حصل.
كانت الساعة.
مش ساعة إيد جوزي، ولا ساعة الموبايل اللي في جيبي… كانت ساعة قديمة معلقة على سور المدافن، عقاربها كانت واقفة عند نفس التوقيت تقريبًا اللي كنت بشوف فيه كل واحد من أولادي بيموت.
فضلت أبص عليها وأنا بحاول أفتكر.
الأول… مات الساعة 11:47.
التاني… 11:47.
التالت… 11:47.
الرابع والخامس والسادس… كلهم تقريبًا نفس التوقيت.
والسابع…
السابع مات 11:47 بالظبط.
شهقت وأنا حاطة إيدي على بوقي.
يا نهار أبيض!
أنا طول السنين اللي فاتت كنت مركزة في إنهم بيموتوا بعد ما يتموا سنة، لكن محدش فينا فكر يسأل: ليه في نفس الساعة؟
رجعت البيت من المدافن وأنا مش حاسة برجلي.
جوزي كان ساكت طول الطريق، وأنا كمان ما نطقتش بكلمة. أول ما دخلنا، قفلت الباب ووقفت قدامه.
قلت له: “عايزة أسألك سؤال، وإياك تجاوبني قبل ما تفتكر كويس.”
بصلي باستغراب وقال: “في إيه؟”
قلت: “كل ولادنا ماتوا الساعة كام؟”
سكت.
وشه اتغير.
قعد على الكرسي، وحط إيده على راسه، وقال: “معقول؟”
قلت: “أيوه… معقول.”
طلع موبايله
وقعد يراجع الصور والتسجيلات القديمة اللي كان محتفظ بيها. كنا كل مرة بنصور الطفل في يوم ميلاده، وكنا بنسجل اللحظات الأخيرة من غير ما نعرف إنها هتكون آخر لحظات في حياته.
وبعد دقائق، رفع عينه وبصلي.
“كلهم… نفس الوقت.”
بدأنا نراجع كل حاجة من الأول.
مش بس وقت الوفاة.
أكلهم، نومهم، أدوية كانوا بياخدوها، المكان اللي كانوا بيناموا فيه، حتى الأوضة نفسها.
وهنا بدأت الصدمة الحقيقية.
كل الأطفال كانوا بيناموا في نفس الأوضة.
الأوضة اللي كنا عاملينها لأول طفل، وبعد وفاته فضلنا محتفظين بيها زي ما هي. سرير صغير، دولاب، ستارة، وكل حاجة تقريبًا فضلت مكانها.
قلت لجوزي: “لازم نروح للدكتور تاني.”
قال: “هنروح لمين؟ إحنا لفينا على نص دكاترة البلد.”
قلت: “مش عايزة دكتور أطفال بس… عايزة حد متخصص في السموم.”
بصلي كأني اتجننت.
“سموم؟”
قلت: “أيوه.”
تاني يوم أخدنا كل الحاجات اللي تخص أولادنا، وخصوصًا التسجيلات والتقارير الطبية القديمة، وروحنا لدكتور متخصص.
حكيت له كل اللي حصل.
الدكتور سمعني من غير ما يقاطعني، ولما خلصت، سألني سؤال غريب:
“هل الأطفال كانوا بيتعرضوا لأي مادة أو دواء قبل الوفاة؟”
قلت: “لا.”
سأل: “هل كان فيه بخاخ حشرات في البيت؟ مبيدات؟ مواد تنظيف؟ أي حاجة من النوع ده؟”
جوزي رد: “طبعًا عندنا منظفات ومبيدات زي أي بيت.”
الدكتور قال: “فين بتتحط؟”
رجعنا البيت ووريناه كل حاجة.
دخل الأوضة القديمة، وبدأ يبص حوالين السرير والشباك والستارة. وبعد شوية وقف قدام الحيطة.
قال: “إيه اللي ورا الحيطة دي؟”
قلت: “المطبخ.”
قرب من الحيطة وشمها، وبعدين قال: “في ريحة غريبة.”
جوزي قال: “يمكن رطوبة.”
الدكتور هز راسه.
“ممكن… بس أنا مش مطمن.”
طلب منا نجيب فني يفحص المكان، وبالفعل بعد ساعات جه واحد متخصص.
فتح جزء صغير من الحيطة.
واللي ظهر بعدها خلاني أحس إن قلبي هيقف.
كان فيه ماسورة قديمة جدًا، متوصلة بطريقة غريبة، وقريبة من مكان نوم الأطفال.
الدكتور فضل ساكت شوية وبعدين قال: “لازم ناخد عينة.”
خدوا عينات من التراب والهواء وبعض أجزاء من الماسورة، وقال لنا إن النتيجة هتحتاج وقت.
رجعنا البيت، وأنا لأول مرة من سنين حسيت إننا قربنا من الحقيقة.
لكن جوزي كان عنده رأي تاني.
قال: “إنتِ فاكرة إن حد عمل فينا كده؟”
بصيت له وقلت: “مش عارفة… بس أنا متأكدة إن اللي حصل مش صدفة.”
بعد يومين، الدكتور اتصل.
طلب منا نروح له فورًا.
أول ما دخلنا، كان وشه مختلف.
قال: “أنا هقول لكم حاجة، بس عايزكم تهدوا.”
قلبي وقع في رجلي.
“التحاليل أظهرت وجود مادة سامة في العينات.”
جوزي انتفض من مكانه.
“يعني إيه؟”
قال: “يعني الأطفال كانوا ممكن يتعرضوا لكمية صغيرة جدًا من مادة سامة على فترات، والموضوع كان ممكن ما يظهرش في التحاليل العادية.”
بصيت للدكتور وقلت: “طب ليه كانوا بيموتوا بعد سنة بالظبط؟”
سكت شوية وقال: “ده السؤال الأصعب.”
وبعدها بدأ يشرح لنا إن التعرض المستمر لمادة معينة ممكن يسبب تراكم أضرار في الجسم، وإن الأعراض أحيانًا ما تظهرش بالشكل المتوقع.
لكن كان فيه شيء واحد محير.
التوقيت.
ليه 11:47؟
رجعنا البيت وأنا حاسة إن فيه حاجة ناقصة.
فتحت صندوق ذكريات أول طفل.
صور، هدوم صغيرة، لعب، شريط فيديو لأول عيد ميلاد.
وقفت قدام الصورة الأخيرة.
الطفل كان قاعد قدام التورتة، وأنا واقفة وراه، وجوزي جنبه.
بصيت للساعة اللي كانت معلقة في الحيطة في الصورة.
11:47.
صرخت.
جوزي جري عليا.
قلت له: “شوف!”
بص للصورة.
قال: “إيه؟”
قلت: “الساعة!”
فضل ساكت.
رجعنا لكل الصور.
وكانت الصدمة…
كل مرة تقريبًا قبل وفاة الطفل بفترة قصيرة، كان فيه انقطاع كهرباء في البيت، وبعدها مباشرة كنا بنشغل جهاز قديم كان موجود في الأوضة.
جهاز تهوية صغير.
الجهاز ده كنا اشتريناه قبل ولادة الطفل الأول، وكان بيشتغل ساعات طويلة.
لكن عمرنا ما فكرنا فيه.
طلبنا من فني يفحصه.
وبالفعل، لما فتحه، اكتشف إن الجهاز كان فيه عطل، وإن جزء من مكوناته كان بيتسخن بطريقة غير طبيعية.
لكن الدكتور قال إن ده وحده مش كفاية يفسر الوفيات.
كنت خلاص هنهار.
يعني وصلنا لحاجات غريبة، لكن مفيش دليل كامل.





