بعد 15سنه

بعد 15 سنة من الطلاق… لقيت طليقتي عايشة تحت كوبري ورجلها مبتورة. ولما حاولت أساعدها، بصّتلي وقالت إنت سيبتنا مرة… خلاص كفاية. ساعتها بدأت أدور ورا الحقيقة، لحد ما شهادة وفاة كشفت إن كان ليا ابن… وإن أمي خبت عني جريمة عمرها ما تتغفر.
الجزء الأول
محدش يصور الست دي!
قالها الدكتور كريم المنشاوي بصوت حاد، خلى كل الصحفيين ينزلوا الكاميرات في لحظة.
كريم، مدير مؤسسة الشفاء الخيرية، كان لسه مخلص مؤتمر صحفي أعلن فيه عن تبرع ضخم بملايين الجنيهات لدعم المشردين في عز البرد في القاهرة. كان واقف ببدلته الغالية وساعته الفخمة، وعربيته السودا المصفحة مستنياه، وسط خيام مهلهلة تحت كوبري أكتوبر.
هو كان جاي ياخد كام صورة للإعلام ويمشي…
لكن فجأة لمحها.
ست رفيعة جسمها هزيل، ماشية بالعافية على عكازين. رجلها اليمين كانت مبتورة من تحت الركبة. شعرها منكوش ومغطي نص وشها.
أول ما رفعت عينها…
قلب كريم وقف.
دي كانت ندى… مراته السابقة.
من 15 سنة، كانت ندى ست مجتمع،
عايشة معاه في فيلا كبيرة بالتجمع، بتنظم حفلات وبتقف جنبه في كل مناسبة.
دلوقتي…
بقت لابسة بلوفر قديم مرقع، وجيبة باهتة، وعكازين ملفوفين بشريط لاصق.
همس وهو مش مصدق
ندى…؟
أول ما شافته…
الخوف بان في عينيها قبل أي حاجة.
لفت بسرعة وحاولت تبعد.
استني!
كريم جري وراها.
هي حاولت تسرع، لكن واحد من العكازين اتكسر، فوقعت على الأرض.
المتطوعين جروا عليها يساعدوها.
صرخت وهي بتبعدهم
محدش يلمسني!
كريم نزل على ركبته قدامها وقال بصوت مهزوز
سيبيني أساعدك.
ندى بصتله، وعينيها مليانة وجع وغضب.
وقالت الجملة اللي خلت الدنيا تلف بيه
إنت ساعدتني كفاية… يوم ما رميتني بره البيت وأنا حامل.
الصحفيين سمعوا.
الكاميرات اترفعِت تاني.
ومسؤول الإعلام حاول يمنع التصوير…
لكن كان فات الأوان.
كريم فضل مكانه كأنه اتشل.
وقال وهو مش مستوعب
حامل…؟
ندى عضت على شفايفها، كأنها ندمت إنها اتكلمت.
قامت بمساعدة واحدة من المتطوعات، ومشت ناحيت خيمتها.
كريم نادى عليها
ندى… والله أنا ما كنتش أعرف.
لكن هي دخلت الخيمة وقفلتها من غير ما ترد.
فضل كريم راكع وسط نظرات الناس وعدسات الكاميرات.
وافتكر اليوم اللي طلقها فيه…
بعد ما أمه كانت كل شوية تضغط عليه بسبب إنها فقدت الحمل أكتر من مرة، وكانت تقوله
العيلة دي لازم يبقى ليها وريث.
وافتكر كمان جوازه بعدها من ياسمين السيوفي، بنت رجل أعمال كبير، والصفقة الضخمة اللي غيرت مستقبل المستشفى.
سنين طويلة…
كان مقتنع إن ندى أخدت فلوس وسابت البيت بإرادتها.
لكن دلوقتي…
كل حاجة بقت شكلها كدبة.
قبل ما يركب عربيته، بص لمساعده وقال بحزم
عايز أعرف كل حاجة عنها من يوم ما خرجت من بيتي… راحت فين، عاشت مع مين، وإزاي خسرت رجلها.
بعد أربع أيام…
المساعد دخل المكتب ووشه شاحب بشكل مرعب.
حط ملف قدام كريم.
طلع منه شهادة ميلاد…
وفوقها شهادة وفاة.
قال بصوت متقطع
يا دكتور… كان عندك ابن.
كريم حس إن الأرض بتتهز تحت رجليه.
اسمه… آدم.
إيده كانت بتترعش وهو بيقرأ تاريخ الوفاة.
الولد مات وهو عنده عشر سنين…
في حادثة حصلت داخل مشروع كانت مؤسسة الشفاء هي اللي ممولاه.
لكن الصدمة الأكبر…
إن الورقة اللي بتثبت التستر على الحادثة…
كانت ممهورة بتوقيع أمه.
في اللحظة دي…
كريم أدرك إنه طول عمره كان عايش في كذبة…
وإن الحقيقة اللي جاية، هتدمر كل اللي كان مؤمن بيه.
إيد كريم فضلت ثابتة فوق شهادة الوفاة، لكن عقله كان بيلف.
آدم…
ابنه.
الابن اللي عاش عشر سنين كاملة وهو حتى ما يعرفش إنه موجود.
رفع عينه للمساعد وقال بصوت مخنوق
هاتلي كل الملفات… حتى اللي اتعدمت.
المساعد اتردد.
يا دكتور… في ملفات اختفت، وفي ناس رفضوا يتكلموا أول ما عرفوا إن الموضوع يخص والدتك.
رد كريم بعصبية
يبقى أول واحد هسأله… أمي.
…
دخل الفيلا القديمة.
أمه، سلوى المنشاوي، كانت قاعدة بتشرب القهوة كأن الدنيا عادية.
ابتسمت وقالت
المؤتمر نجح؟
رما قدامها شهادة الميلاد.
بعدها شهادة الوفاة.
ابتسامتها اختفت.
قال
مين آدم؟
سكتت.
كرر السؤال وهو بيزعق
مين آدم؟!
قالت بهدوء غريب
ابن ندى.
صرخ
وابني أنا!
أغمضت عينيها وقالت
أيوه.
كريم حس إنه مش قادر يتنفس.
ليه؟
قالت بعد ثواني طويلة
لمحة نيوز





