"حكايات الكاتبة ملك إبراهيم.. قلبها كان بيدق بعنف… بعنف لدرجة انها حاسة انه هيطلع من صدرها… وعيونها بتتنقل بينه وبين أبوه… وبين الناس الغريبة اللي المفروض بقوا أهلها. ماهر قال بهدوء وهو باصص في عينيها، بيطمنها: القرار في إيدك يا حنين، متخافيش من حد. حنين حسّت إن الأرض بتهتز تحت رجليها، دوخة. هي بتحبه… بتحبه يمكن أكتر مما هو متخيل، بتحبه من أول ما وعيت على الدنيا وهو اللي بيجيبها من المدرسة. لكن أول ما بصت لوش أبوه… للواء… وللغضب اللي في عينيه… للقسوة… افتكرت كلمة قالها امبارح بليل وهي معدية من جنب المكتب: "أنا مش هخسر أخويا عشان البنت دي." قلبها وجعها… وجعها على ماهر… لو وافقت… هتكون السبب إن ماهر يخسر أبوه… وعيلته… وشغله… ويمكن كل حاجة بناها… هتكون هي السبب في خراب حياته. دموعها نزلت بهدوء… بحرقة… وبصت لماهر وقالت بصوت مهزوز، بتقطع قلبها وهي بتقوله: = لا. الكلمة طلعت صغيرة، بس وقعت زي جبل. الصدمة ضربت المكان كله، كأن حد رمي قنبلة. ماهر عيونه اتسعت… كأنه مش مصدق اللي سمعه، كأنه اتضرب بالقلم على وشه. حنين كملت وهي بتبص للأرض، بتهرب من عينيه اللي بتوجعها: أنا… مش موافقة، مش هينفع. الأب اتنفس براحة لأول مرة، كأنه كسب الحرب. أما ماهر… فكان واقف مكانه كأن حد ضربه في قلبه، كأن روحه اتسحبت. قال بصوت واطي، مجروح، مش مصدق: بتقولي إيه يا حنين؟ انتي سامعة نفسك؟ حنين رفعت عيونها له بصعوبة… ودموعها نازلة… وقالت وهي بتحاول تمسك دموعها وتضحي، وهي بتكذب على قلبها: = انت زي أخويا يا ماهر… ومينفعش يحصل اللي بتقوله، انت أخويا الكبير. الجملة دي كسرت حاجة جواه، كسرت قلبه نصين. لأنه عارف… عارف كويس أوي… إنها بتكذب، شايف الحب في عينيها وهي بتقول أخويا. لكنها قالتها قدام الكل، دبحته قدام الكل. عم حسن قال بهدوء وحزن: خلاص… يبقى الموضوع انتهى، البنت قالت كلمتها. الأب قال ببرود وانتصار: حنين تجهز نفسها وتمشي معاكم، يلا. حنين هزت رأسها بالموافقة… وهي بتموت من جوه… ومشيت ببطء ناحية السلم، كل خطوة بتاخدها كأنها بتدوس على قلبها. عدت جنب ماهر… قريبة أوي… ريحته دخلت قلبها… لكنها مقدرتش تبص له، خافت لو بصت تجري في حضنه. هو كان واقف مكانه… مصدوم… مجروح… وايده مقبوضة. بعد شوية… نزلت حنين شنطة صغيرة في إيديها، شنطة فيها كل ذكرياتها هنا، عينيها حمرا من العياط… لكنها بتحاول تبان قوية، بتحاول تمثل القوة. عم حسن قال بحنية: يلا يا بنتي، ربنا يسهل. اتحركوا ناحية الباب، كل خطوة بتوجع ماهر. قبل ما تخرج… حنين وقفت لحظة عند الباب… مقدرتش… قلبها ما طاوعهاش… بصت وراها… ولقت ماهر واقف بعيد… لوحده… عيونه عليها بس… في عينيه كان في وجع… وعتاب… وكسرة واضحة… كسرة راجل عمره ما انكسر غير دلوقتي. قلبها اتقبض، اتعصر. كانت نفسها تجري عليه… وتقوله بحبك، انا كدبت، انا عايزاك… وتترمي في حضنه. لكنها خافت… خافت تكون السبب في خراب حياته وضياعه. فلفت بسرعة… وخرجت من الباب وهي بتعيط بصمت، بتعيط من غير صوت. ماهر فضل واقف مكانه… شايفها وهي بتركب العربية مع أهل أبوها، شايف شنطتها الصغيرة، شايفها وهي بتمشي من بيته. الباب اتقفل… والعربية بدأت تتحرك… وتبعد… في اللحظة دي… حس إن حاجة كبيرة اتسحبت من قلبه، روحه اتسحبت، البيت فضي مرة واحدة. الأب قرب منه وقال ببرود وانتصار: كدا أحسن للجميع، بكرة تنساها. ماهر ما ردش… كان باصص للعربية وهي بتبعد في الشارع، بتبعد وبتاخد قلبه معاها. وبصوت واطي، واطي أوي، قال لنفسه بوجع وقهرة: = انتي فاكرة إنك كدا بتحميني يا حنين… فاكرة انك بتضحي عشاني… وسكت لحظة… وعينيه لمعت بغضب ووجع وحب مجنون. = بس أنا مستحيل أسيبك تمشي، ولو هحارب الدنيا كلها هرجعك. --- عدّى يومين… يومين على حنين كأنهم سنتين… حنين كانت قاعدة في أوضة صغيرة في بيت عم حسن في الصعيد. البيت كان قديم… ريحة الطوب اللبن فيه… وساكت بطريقة تخوف، مفيش صوت غير صوت المراوح. من ساعة ما وصلت وهي مش قادرة تتأقلم. كل حاجة غريبة… الناس بتبصلها كأنها بنت بندر… المكان غريب… حتى الهوا تقيل. كانت قاعدة على السرير، ضامة ركبها لصدرها، وباصّة في الموبايل بتاعها، مستنياه ينور. كل شوية تفتح الواتساب… تشوف آخر ظهور لماهر… وتقفل تاني بسرعة كأنها بتتلسع. مفيش رسالة… مفيش اتصال… مفيش حتى كلمة. ماهر ولا كأنه كان موجود في حياتها، كأنه نسيها في يومين. قلبها كان بيتوجع… وكل شوية دمعة تنزل… لكن كانت بتقنع نفسها بوجع: أكيد نسي… أكيد ارتاح مني ومن مشاكلي، أكيد بيجهز لفرحه مع ريم. وفجأة… الموبايل نوّر في إيديها، عمل اهتزاز خلاها تتنفض. اسم ماهر ظهر على الشاشة، اسم حبيبها. قلبها خبط بعنف، بعنف لدرجة انها حست انه هيقف، إيديها بدأت ترتعش… وفتحت الرسالة بسرعة، بلهفة مجنونة. كانت صورة، صورة واحدة. فتحتها… ثواني… وبعدين عينيها وسعت بصدمة، بذهول، برعب. كانت دعوة فرح، دعوة فرح فخمة، عليها ورد. مكتوب فيها بخط ذهبي يوجع العين: "بدعوتكم لحضور حفل زفاف المقدم ماهر فؤاد والآنسة ريم فؤاد" التاريخ… بعد أسبوعين بس، بعد 14 يوم. حنين فضلت باصّة للصورة… كأن عقلها رافض يفهم، رافض يترجم الكلام، كأنها بتحلم كابوس. همست لنفسها بصوت مخنوق: لأ… أكيد بيهزر… أكيد غلط، أكيد باعت غلط، ماهر مستحيل يعمل كدا. لكن بعدها لقت رسالة منه تحت الصورة، رسالة قصيرة، باردة، بتذبح. "اتمنى تحضري." الكلمة كانت باردة… وقصيرة… وقاسية… لكنها جرحتها أكتر من أي حاجة، كأنها بيقولها انسي، شوفي حياتك. الموبايل وقع من إيدها على السرير، ايديها سابت. وقلبها اتقبض بقوة، بقوة لدرجة انها حطت ايدها على صدرها من الوجع. همست بصوت مكسور، بعياط مكتوم: لا… لا يا ماهر… لا مش انت… دموعها نزلت فجأة وبعنف، انفجرت، كأنها كانت حابساها بقالها يومين. حضنت المخدة اللي ريحتها غريبة وبدأت تعيط… العياط كان مكتوم… بتحط المخدة على بوقها عشان محدش يسمعها… لكن وجعه كبير، وجع فراق. = هو لحق يحبها بالسرعة دي…؟ لحق ينساني…؟ هو كان بيحبني ولا كان بيتسلى؟ افتكرت اليوم اللي وقف فيه قدام الكل، قدام أبوه اللي بتخاف منه، وقال بكل شجاعة الدنيا: "حنين هتبقى مراتي." افتكرت نظرته… والصدق اللي في صوته… والعروق اللي بانت في رقبته من كتر ما هو خايف عليها. إزاي كل دا يختفي في يومين؟ إزاي يتحول لريم؟ مسكت الموبايل تاني بإيد بترتعش… بصت للدعوة مرة تانية، كأنها بتعاقب نفسها. اسم ريم كان مكتوب جنب اسمه، لازق في اسمه. حسّت كأن حد بيدوس على قلبها بجزمته. قالت وهي بتعيط بحرقة: أنا اللي رفضت… أنا اللي ضيّعته بإيدي، انا اللي قولتله زي أخويا، استاهل. دموعها كانت بتنزل بلا توقف، بلا رحمة. وفي نفس الوقت… في القاهرة… في نفس اللحظة… حكايات الكاتبة ملك إبراهيم ماهر كان قاعد في أوضة المكتب في بيته، نفس المكتب اللي اتخانق فيه مع أبوه عشانها. الموبايل في إيده… وباصص للشاشة… مستنيها تشوف الرسالة، مستني يشوف علامة الصح الزرقا. كان شايف إن الرسالة اتقريت، شافها. سكت لحظة… قلبه اتقبض هو كمان… وبعدين قفل الموبايل بعصبية، رماه على المكتب. الوجع في عينيه كان واضح، عينيه حمرا، ما نامش بقاله يومين. قال لنفسه بصوت واطي، بصوت مجروح بيحاول يبان قاسي: إتقهرتي… صح؟ حسيتي باللي حسيت بيه لما قولتيلي زي أخويا؟ وسكت لحظة… وشفايفه بتترعش… لكن بعدها شد على سنانه بغل وحب. لأن الحقيقة… إن قلبه هو كمان كان بيتوجع، بيتوجع أكتر منها، بس كبرياؤه، كبرياء الظابط اللي انرفض قدام أهله، كان أقوى منه، كان بيوجعه. قال ببرود مصطنع بيضحك بيه على نفسه: زي ما كسرتيني… هكسرك، عشان تحسي بوجعي. لكن اللي ما كانش يعرفه… إن حنين في اللحظة دي… كانت قاعدة على الأرض جنب السرير… مش على السرير… على الأرض الباردة… بتضم ركبها… بتعيط بحرقة… وقلبها بيتفتت حتة حتة. وهمست وسط دموعها وشهقاتها اللي بتقطع القلب: لو كنت أعرف إنك هتسيبني بسهولة كدا… لو كنت أعرف انك هتروح لغيري بسرعة دي… كنت وافقت عليك قدام الدنيا كلها، كنت قولت بحبك بأعلى صوتي. --- عدّى يومين كمان… يومين قهرة… حنين كانت قاعدة في الجنينة الصغيرة قدام البيت في الصعيد. الجو كان هادي… والشمس حامية… بس جواها كان عاصفة، عاصفة ما بتهداش. من ساعة ما شافت دعوة فرح ماهر وريم وهي مش قادرة تبطل عياط، عينيها ورمت وبقت شبه بعض. كل شوية تقول لنفسها إنها لازم تنساه… لازم تكون قوية… لكن قلبها كان بيرفض، قلبها بيقولها ده ماهر، ده اللي رباكي. كانت باصة في الأرض وساكتة… بتلعب في التراب بايدها… وفجأة سمعت صوت عم حسن بينادي بحنية: حنين… تعالي يا بنتي، عايزك. رفعت عينيها ومسحت دموعها بسرعة بسرعة عشان ما يشوفهاش ودخلت البيت تجري. عم حسن كان قاعد في الصالة ومعاه مراته، وشهم مبسوط. قال وهو بيبتسم بحنان أب: جهزي نفسك… إحنا مسافرين بكرة القاهرة. حنين استغربت، قلبها دق: القاهرة؟ ليه؟ هنرجع؟ عم حسن رد ببساطة وطيبة: عشان نحضر فرح ابن خالتك… ماهر، واجب ولازم نعمله، ده ابن خالتك اللي رباكي. الكلمة وقعت عليها كأن حد خبطها في صدرها بشاكوش، نفسها اتقطع. عيونها وسعت وقالت بصدمة وبرعب حقيقي: أحضر… فرحه؟! أحضر فرح ماهر وريم؟ مستحيل! مرات عم حسن قالت بحنية وهي مش فاهمة وجعها: أيوه يا بنتي… مش معقول يبقى فرح قريبنا وما نحضروش، عيب. حنين حسّت إن نفسها اتقطع، روحها بتتسحب، همست بصوت مهزوز، بتعيط: بس… أنا… أنا مش قادرة… مش هقدر أشوفه عريس لغيري. لكن عم حسن قاطعها بحزم طيب: مفيش بس… ده واجب، وبعدين… إنتي لازم تبقي قوية… الحياة مبتقفش على حد يا بنتي، ولازم تتعلمي. حنين ما ردتش… بس قلبها كان بيصرخ من جوه، بيصرخ باسمه، يا ماهر. إزاي تحضر فرح الراجل اللي بتحبه؟! إزاي تشوفه ببدلة الفرح وهو داخل على واحدة تانية؟ ده موت. --- تاني يوم… العربية كانت ماشية على الطريق الطويل، طريق الصحراوي راجعة القاهرة. حنين قاعدة جنب الشباك… باصّة للطريق الصحراوي اللي بيجري… والدموع بتنزل بهدوء من غير صوت، بتنزل على خدها والهوا بينشفها. كل ما يقربوا من القاهرة… كل ما ريحة ماهر تقرب… قلبها يتقبض أكتر، خوفها يزيد. افتكرت أول مرة شافت ماهر وهو راجع من الكلية الحربية بالبدلة الميري، افتكرت ضحكته… خناقاتهم الصغيرة لما كانت بتاخد قميصه تلبسه… طريق المدرسة وهو ماسك إيديها… وإيده اللي كانت دايمًا بتحميها من برد الشتا. وهمست لنفسها بحزن ودموعها نازلة: كنت فاكرة إنك عمري كله… كنت فاكرة انك هتفضل ليا… طلعتي غلطة كبيرة يا حنين، غبية. عم حسن لمح دموعها في المراية… وقال بحنان أب حقيقي: لسه صغيرة يا بنتي… الأيام هتنسيكي، بكرة تحبي وتتجوزي وتنسي. لكنها هزت راسها بس… بوجع… لأنها عارفة إن في حب عمره ما بيتنسي، في حب بيسكن القلب وما بيطلعش غير بالموت، وحبها لماهر من النوع ده. --- بعد ساعات طويلة… العربية دخلت القاهرة، دخلت زحمتها ونورها. حنين قلبها بدأ يدق بعنف، بجنون، كأنها داخلة على إعدامها. كل شارع بيفكرها بحكاية مع ماهر، كل محل، كل رصيف. وصلوا البيت اللي هيقعدوا فيه… بيت صغير قريب من فيلا خالتها… لكن قبل ما تنزل من العربية… قلبها وقف… لمحت حاجة خلت قلبها يقف لحظة، نفسها اتقطع. في آخر الشارع… كانت واقفة عربية ماهر السودا، نفس العربية الفخمة، نفس اللوحة، نفس الريحة. نفس العربية اللي كان بيستناها بيها قدام المدرسة كل يوم ويقولها اركبي يا لمضة. قلبها اتقبض فجأة… وايدها مسكت في الباب… همست لنفسها برعب وأمل: أكيد صدفة… أكيد مش هو… أكيد بيتهيألي… لكن أول ما رفعت عينيها… شافته. ماهر كان واقف بعيد… ساند على عربيته بنفس الوقفة، نفس وقفته اللي بتحبها… ساند بكتفه… وباصص عليها… عينيه عليها هي وبس. نفس الوقفة… نفس النظرة… نظرة الظابط اللي بيحرس حبيبته… بس المرة دي… ما كانش فيه ضحكة… ما كانش فيه حنية… كان فيه برود وجمود عمرها ما شافته قبل كدا، جمود بيوجع أكتر من الزعيق. حنين قلبها وجعها… وجعها أوي… ونزلت من العربية ببطء، رجليها مش شايلاها. عدّت من جنبه… قريبة أوي… ريحته دخلت قلبها… لكن ما قدرتش تبص له، خافت تضعف وتجري عليه قدام الناس. وهو فضل واقف مكانه… شايف الدموع في عينيها، شايف كسرة قلبها، شايفها خاسة وضعيفة… لكن ما قالش كلمة، فضل ساكت، بيمثل البرود. بس همس لنفسه ببرود مصطنع، بوجع، وهو شايفها داخلة البيت بتعيط: استحملي… لسه ما شفتيش حاجة، لسه هتشوفي انا هعمل فيكي ايه عشان كسرتيني. لأن بعد 3 أيام بس… هيكون واقف قدامها… عريس. --- الأيام اللي قبل الفرح عدّت على حنين كأنها سنين من العذاب… كل ثانية بسنة… بيت خالتها كان متقلب فوق تحت. الزينة بتتعلق… الأنوار في كل حتة… صوت الضحك في البيت… والخدامين داخلين خارجين، بيعلقوا ورد. كل حاجة بتقول إن في فرح كبير. لكن قلب حنين كان بيتقطع، بيتقطع مع كل لمبة بتتعلق. كانت واقفة في الجنينة بتبص على العمال وهم بيعلقوا الأنوار على الشجر، نفس الشجر اللي كانت بتقعد تحته مع ماهر. دي نفس الجنينة اللي كانت بتقعد فيها مع ماهر زمان… وهو بيضحك عليها ويقول لها وهو بيهزر: لما تكبري يا بت هعملك فرح هنا في الجنينة دي، فرح محصلش. وقتها كانت بتضحك وتقول ببراءة وفرحة: وعد؟ هتعملي فرح هنا بجد؟ وهو كان يرد بثقة راجل وبحب: وعد، وعد من ظابط. ابتسمت بوجع… ودموعها نزلت… واضح إن الوعد اتحقق… بس مش معاها، مع غيرها. في اللحظة دي سمعت صوته وراها، صوته اللي بتحفظه من وسط مليون صوت. = واقفة هنا لوحدك ليه؟ لوحدك كده؟ لفت بسرعة… قلبها وقع… ماهر كان واقف وراها… لابس قميص أسود، باين عليه الإرهاق والسهر، عينيه حمرا، بس لسه وسيم ومهيب. قلبها دق بعنف أول ما شافته، بفرحة وخوف. لكن حاولت تبان عادية، بلعت ريقها وقالت بصوت مخنوق: بتفرج بس، بتفرج على الزينة. ماهر بص حواليه وقال ببرود مصطنع، بيحاول يوجعها: آه… التحضيرات كتير، فرح مهم، فرح ظابط. الكلمة جرحتها… كأنها سكينة… لكن سكتت وعضت شفايفها. فضلت لحظة باصة في الأرض… ودموعها هتنزل… وبعدين قالت بدون ما تبص له، بصوت طالع بالعافية: = مبروك، ربنا يتمملك على خير. ماهر سكت لحظة… قلبه وجعه من كلمة مبروك اللي طالعة من بقها وهي بتعيط… وبعدين قال بنفس البرود: الله يبارك فيكي يا حنين. النبرة كانت هادية… لكن فيها مسافة كبيرة، مسافة بتوجع، مسافة هو عاملها غصب عنه. حنين حسّت بدموعها هتنزل… فحاولت تغيّر الكلام، تهرب من الوجع. قالت بتردد وغيرة بتاكلها: ريم… فين؟ مش شايفاها خالص بقالها كام يوم، العروسة فين؟ ماهر رد ببساطة، ببرود: عندها شوية حاجات بتخلصها، بتجهز نفسها. حنين هزت راسها… لكن جواها كان في حاجة غريبة، احساس ست. إزاي العروسة مش موجودة في بيت الفرح؟ إزاي مش بتقيس فستانها؟ إزاي ماهر سايبها؟ قبل ما تفكر أكتر… ماهر قال فجأة، بصوت قاسي، بيحاول يمثل انه مش مهتم: = بالمناسبة… لازم نبقى واضحين مع بعض يا حنين. حنين رفعت عيونها له، خايفة. قال ببرود واضح، ببرود بيقتلها: اللي حصل بينا قبل كدا… كان غلط، لحظة ضعف، وانا كنت متلخبط. القلب اتقبض جواها، اتعصر. كمل وهو باصص قدامه، مش قادر يبص في عينيها وهو بيكذب: أنا كنت متلخبط بس… إنما الحقيقة إنك بالنسبة لي… زي أختي، طول عمرك زي أختي الصغيرة. الكلمة نزلت عليها كأن حد خبطها في صدرها بشاكوش، كلمة "زي أختي" اللي بتكرهها. حنين بصت له بصدمة، بذهول، بقلب بيتكسر: أختك؟ انا زي أختك يا ماهر؟ ماهر رد ببرود متعمد، وهو بيموت من جوه، وهو نفسه يقولها بحبك: أيوه… وأنا عايزك تبقي موجودة في الفرح عادي… وتفرحي ليا، كأختي. دموعها بدأت تلمع في عيونها، هتنفجر. قالت بصعوبة وشهقة: أكيد… هفرحلك، أكيد هفرحلك يا ماهر. ماهر كان شايف وجعها… شايف دموعها… قلبه بيتقطع… لكن ملامحه فضلت جامدة، بيمثل القسوة. لف عشان يمشي… لكن قبل ما يبعد خطوتين… وقف وقال من غير ما يبص لها، كلمة أخيرة بتذبح: وبلاش الدموع دي… مش لايقة على أختي، أختي لازم تبقى قوية وتفرحلي. الكلمة كانت قاسية… قاسية لدرجة إن حنين ما قدرتش تمسك نفسها بعد ما مشي. حكايات الكاتبة ملك إبراهيم أول ما مشي واختفى… دموعها نزلت بغزارة، سندت على الشجرة اللي شهدت على حبهم، وهمست وهي بتعيط بحرقة وبتتقطع: ليه بتوجعني كدا يا ماهر… ليه قاسي عليا كدا… ما كفاية اللي انا فيه. لكن الغريب… واللي حنين ما كانتش تعرفه… إن ريم بقالها يومين مش موجودة أصلاً في الفيلا، مسافرة، ولا حد في البيت شافها ولا سأل عليها. وإن الفرح اللي بيتجهزله… فيه سر كبير، سر كبير أوي. وسر أكبر… إن ماهر كل ليلة… بعد ما الكل ينام… كان بيقف في نفس مكانه في الجنينة بعد ما الكل ينام… في نفس المكان اللي وقفوا فيه دلوقتي… ويبص لشباك أوضة حنين المنور… وعينيه كانت بتقول حاجة واحدة بس… إنه عمره ما قدر يعتبرها أخته، وعمره ما هيقدر. --- اليوم المنتظر جه… يوم الفرح… حنين كانت قاعدة في أوضتها… لابسة بيجامة بسيطة… الدموع والألم من الأيام اللي فاتت لسه في قلبها، قلبها مقبوض وحاسة ان النهاردة هيكون أصعب يوم في حياتها… وفجأة الباب اتفتح بسرعة… خالتها، أم ماهر، دخلت وهي مبتسمة، وشها منور، وفي إيدها فستان أبيض جميل، فستان يخطف العين، الفستان كان من النوع اللي بيلمع خفيف تحت الضوء، وطوله واصل للأرض… ومعاه شريط رقيق من الدانتيل على الكتف، فستان عروسة بجد. قالت بخفة ودلع وحب: حنين… تعالي يا قلب خالتك! عايزة تقيسي الفستان ده… ريم مش موجودة النهاردة… وأنا محتاجة أتأكد إنه هيبقى مظبوط عليها قبل ما تيجي. حنين رفعت عيونها بدهشة وصدمة: إيه الكلام ده؟! إنتي تقوليلي أقيس الفستان؟! الفرح مش ليا! ازاي أقيس فستان عروسة تانية! خالتها ضحكت بخفة وقالت بذكاء: آه… بس تعالي نصايب الفستان، مش أكتر، عشانك انتي قريبة من مقاسها. حنين اترددت… قلبها بيدق بخوف… لكن فضول البنت جواها، وحبها للفستان الأبيض، خلاها تقرب، ايدها بتترعش. خدت الفستان وبدأت تقيسه… دخلت الحمام ولبسته… ولما حطته على جسمها… وبصت في المراية… الصدمة… شهقت… المقاس كان بالظبط عليها، بالمللي، وكأن الفستان معمول مخصوص لها هي، كأنه متفصل على مقاس قلبها. رفعت عيونها لخالتها ودموعها نزلت وقالت بصدمة وفرحة مخلوطة بوجع: إيه ده؟! ده أنا بالظبط! ده مقاسي انا! خالتها قربت ودموعها نزلت هي كمان، وقالت وهي مبتسمة بنبرة فيها حنان وخبث وحب كبير: طب يلا تعالي معايا برا… عايزين الخياطة تضبط شوية حاجات صغيرة… تعالي. حنين وقفت للحظة… قلبها بدأ يدق بسرعة… بسرعة مجنونة… حاسة ان في حاجة غريبة بتحصل… لكن فضولها وقلبها دفعها تمشي وراها، كأنها مسحورة. خرجوا من الأوضة… ودخلوا الجنينة الصغيرة اللي قدام البيت… الجنينة اللي متزينة… وفجأة، حنين اتقفلت عيونها على منظر خلاها تتجمد في مكانها… رجلها ما بقتش شايلاها… أمامها كان المأذون واقف… بجلابيته البيضا… وماهر واقف ببدلة الفرح، بدلة سودا فخمة، ووالده واقف جنبه بيضحك، وعم حسن واتنين شهود، وخالتها بتعيط من الفرحة. الجنينة كانت مزينة بخيوط بسيطة من الزينة… والعينين كلها على حنين، كلها بتبصلها بحب. خالتها ابتسمت وقالت بصوت هادي ودموعها نازلة: حنين… جه الوقت يا بنتي، جه وقت فرحك انتي. حنين وقفت مكانها… جسمها كله ارتجف… رعشة فرحة وخوف… نظرة لفهما… قلبها هيقف… نظرت لماهر… وشه كان جدّي… بس عيونه… عيونه مركزة عليها… مليانة حب ودموع محبوسة… وصوته هادي لكنه قوي، قوي أوي، طلع من قلبه: = حنين… ده الفرح اللي المفروض يبقى لنا… من زمان… ده فرحك انتي، انا عمري ما كنت هتجوز غيرك. قلبها اتقبض… الدموع بدأت تحرق عينيها… بس المرة دي دموع فرحة… فرحة مجنونة… ولم تستوعب… إزاي كل ده حصل فجأة؟! إزاي طلع كل العذاب ده خطة؟! كانت عارفة حاجة واحدة بس… إن الفرح اللي كل الأيام دي كانت بتحاول تهرب منه… النهاردة هيكون يومها هي، يومها مع حبيبها، وهتواجه ماهر فيه بقلبها بجد. --- النهارده كان كله ضوء وفرحة… نور… حنين كانت قاعدة على الكرسي في الصالة… الفستان الأبيض منور عليها، مخليها زي الملاك… والدموع اللي كانت في عيونها قبل كام يوم اتحولت لابتسامة كبيرة، ابتسامة عروسة بجد. لأول مرة… حست إنها العروسة، حست ان الفستان ده معمول عشانها هي. المأذون ابتدأ بسرعة، وصوته هادي، والناس حوالينها كانوا بيصقفوا ويبتسموا… صوتهم كله فرحة… الورود متعلقة في كل حتة… العطر مالي المكان… ريحة الياسمين… ماهر واقف قدامها… بيده شايل الكتاب… بس ملامحه كانت جدية… عيونه مليانة وجع وحب… برغم إن قلبه كان بيناديه يهجم على الفرح ويحضنها، كان لسه بيتظاهر بالبرود… مش قادر يسامحها بسهولة إنها قالتله زي أخويا واتخلت عنه قبل كام يوم. المعازيم كلهم كانوا مستنيين… الكاميرا بتصور… والدي جي مشغل أغنية هادية رومانسية… المأذون سأل حنين بصوت هادي وحنين: يا عروسة… موافقة على الزواج من المقدم ماهر؟ حنين رفعت عيونها لماهر… شافت البرود في عينيه… بس المرة دي فهمت البرود ده حب، برود عتاب… قلبها كان بيقول لها غير كده. ابتسمت وقالت بصوت فيه حنان ودموع فرحة وحب كبير: أيوه… موافقة… موافقة يا ماهر، موافقة من وانا صغيرة. ابتدأ المأذون الكتاب… والكل صفق لما وقع الخاتم في يدها… خاتم بيلمع قد حبهم… بعدها، الموسيقى ارتفعت شوية… والمعازيم ابتدوا يدوروا حوالينهم… يزغرطوا… ماهر قرب منها وقال بهدوء، بهمس، بس صوته لسه فيه عتاب: حنين… تعالى نرقص، رقصتنا الأولى. حنين شالت يدها في إيده… قلبها بيدق بسرعة… بسرعة لدرجة انها حاسة انه هيطلع… بس ملاحظت إنه لسه بارد معاها… مش بيقدر ينسى اللي حصل، مجروح. بدأوا يرقصوا… ماهر ماسك إيدها بإحكام، كأنه خايف تهرب تاني… عيونه بتبص بعيد… بيحاول يبان جامد… لكن حنين حسّت إن فيه حاجة مختلفة… قلبه بيدق بسرعة… هي سامعة دقات قلبه… بس عقله مش راضي يسامح بسهولة. حنين قربت منه شوية… لازقة فيه… حكتله بصوت خفيف ودلع، دلع عروسة بتحب عريسها: إيه يا عم العريس… لسه زعلان مني؟ لسه قافش؟ ده يوم فرحنا. ماهر شال نظره عنها… وقال ببرود مصطنع: مش زعلان… بس مش قادر أنسى كلمة أخويا، وجعتني أوي. حنين ضحكت بخفة، ضحكة عروسة، وقالت وهي بتلمس إيده على ظهرها بحنية: طيب… تعال نتصالح شوية… انا آسفة، والله آسفة. وبدأت تدلع عليه… تمسح إيده من على ظهرها برقة… تضحك بخفة… تقول له كلمات حلوة في ودنه… وكل حركة منها، كل نفس منها، تخلي قلبه يلين شويه رغم بروده، تخليه يضعف. هو حاول يكمل ببرود… حاول يفضل ماسك نفسه… لكن كل مرة تدلع عليه… قلبه كان بيرجع يلهث… ويشتاق ليها… ويدوب… المعازيم كانوا متفرجين… والجو كله مليان ضحك وفرحة… وحتى عيون ماهر بدأت تتغير شوية… القسوة اللي فيها بدأت تدوب… رغم إنه لسه ما سامحهاش… لكن واضح إنه مش قادر يقاوم دلعها وحبها، واضح انه بيحبها بجنون. --- بعد الرقصة الأخيرة… الموسيقى بدأت تهدى شوية، بقت هادية وحالمة، والمعازيم كلهم كانوا فرحانين… بيصقفوا… حنين حست قلبها بيطير من الفرحة… طايرة… ماهر شال إيديها بإحكام، بإحكام راجل مش هيسيب حبيبته تاني أبدا… وبعد لحظات شوية… بدأ يلين، بدأ يبتسم… الابتسامة اللي بتحبها رجعت… كانت كل حركة ودلع منها… كل ضحكة صغيرة… تخلي قلبه يسيب الغضب شويه… يسيب القهرة… ولما قربت منه وقالت له بصوت هادي ودلع وحب، وهي بتبص في عينيه: تعال… متزعلش مني… انا بحبك… انا ماليش غيرك… ماهر نفسه كان بيتصارع بين الغضب والحب… بين كرامة الظابط المجروح وقلب العاشق… بس المرة دي… استسلم… استسلم لحبها… وابتسم أخيرًا، ابتسامة كبيرة من القلب، وقال بصوت واطي سمعته هي بس: سامحتك… سامحتك يا مجنونة… وأكملنا فرحتنا، فرحتنا اللي مستنيها بقالي 11 سنة. ابتسمت له حنين… دموع الفرح في عيونها… نازلة زي اللولي… ورجعوا يرقصوا تاني وسط الموسيقى… الابتسامة ما سابتش وشهم… والمعازيم كلهم كانوا فرحانين بيهم… فرحانين بقصة الحب اللي انتصرت. --- بعد ما الفرح خلص… والأنوار اتطفت… والزحمة هديت… البيت هدي… والناس بدأت تتفرق… والجنينة بقت فاضية الا منهم… ماهر شد إيد حنين، ايدها الصغيرة في ايده الكبيرة، وقال بصوت حنين ودافي: تعالى… عندي كلام لازم أقولهولك من زمان. طلعوا أوضتها… أوضتها اللي كبرت فيها… وقفل الباب بسرعة… قفل عليهم الدنيا… حنين بصت له متوترة… قلبها بيدق… خايفة وفرحانة… ماهر وقف قدامها… عيناه كانت جدية… جدية وحب… وقال بصوت واطي لكن ثابت، صوت راجل بيحب بجد: = ليه اتخلتي عني قبل كده؟! ليه قولتيلي زي أخويا وانتي عارفة اني بموت فيكي؟! أنا عمري ما قدرت أتخيل أسيبك… كنت هموت. حنين حاولت تهدي وتقول له بدموع وصدق: بس… أنا كنت خايفة… ماكنتش عايزة تبوظ علاقتك بأهلك… باباك كان هيطردك بسببي… كنت خايفة أكون سبب في خراب بيتك… ماهر قرب منها وقال بحزم وحب وعينيه بتلمع: محدش ولا حاجة هتفرقنا… لا أبويا ولا الدنيا كلها… إنتي متتخليش عني تاني… أنا مش قادر أسيبك، انتي نفسي اللي بتنفسه. شال وشها بإيديه الاتنين… وبص لها بقوة وثقة وحب مالوش آخر: أنا هوقف قدام أي حد… حتى بابا… وكل الناس… عشان أتجوزك… وهكمل حياتي معاكي، انتي مراتي وحبيبتي وبنتي. دموع الفرح نزلت على وش حنين… نازلة زي المطر… وقالت وهي بتحضنه، بترمي نفسها في حضنه اللي وحشها: عمري ما هسيبك يا ماهر… عمري ما هسيبك تاني… بحبك… ابتسم لها أخيرًا… وقلبه مليان حب… حضنها جامد، حضن 11 سنة شوق… قبلها بحنان… والفستان الأبيض لامع تحت الضوء… ضوء القمر داخل من الشباك… القصه خلصت… بسعادة… ماهر و حنين كانوا أخيرًا مع بعض… بعد وجع وغيرة ودموع وفراق… محدش ولا حاجة قدرت تفصلهم… والحب اللي بدأ صغير، حب طفلة وظابط، كبر، وثبت، واتحدى الدنيا كلها… وعاشوا مع بعض سعيدين للأبد. حكايات الكاتبة ملك إبراهيم النهاية.