جوزي كان طيار

لما خرجت لصالة المطار، الهوا الساقع بتاع التكييف لفح وشي، وفوقني لثواني من الصدمة. الركاب حواليا كانوا بيجروا شنطهم، اللي بيضحك، واللي بيتصل بأهله يقولهم “حمد الله على السلامة أنا وصلت”، وأنا واقفة في وسطهم زي الصنم. تليفوني في إيدي قعد يرن.. بصيت على الشاشة، لقيت أختي بتتصل عشان تطمن عليا وتعرف المفاجأة نجحت ولا لأ. قفلت السكة في وشها.. مش قادرة أنطق، ومش قادرة أستوعب إني هقول لحد إن جوزي، حب عمري، خطب عليا النهاردة قدام المطار كله!
مسحت دمعة سخنة كانت خلاص هتنزل وتفضحني وسط الناس، وبلعت غصّة في حلقي كأنها موس حامي بيجرحني. خرجت برا صالة المطار بخطوات تايهة، ووقفت على الرصيف في عز الليل والميكروباصات والعربيات بتعدي من قدامي، ونور الشوارع زغلل في عيني المليانة دموع. بصيت على لبسي.. على الفستان اللي اخترته بعناية عشان يفكرنا بأيام خطوبتنا وبداية حبنا. ضحكت فجأة.. ضحكة مكتومة، مريرة، ومليانة وجع.. الضحكة دي مكنتش ضحكة جنان، دي كانت ضحكة القوة اللي بتولد من قاع الكسرة. الوجع كان بيحفر جوايا ويغير كل حتة فيا.. ليلى الضعيفة، المخلصة بزيادة، اللي كانت عايشة عشان طارق وبس.. ماتت جوة كابينة الطيارة دي.
مسكت القماش بتاع الفستان بإيدي وضغطت عليه بكل عزمي، وكأني بتخلص من كل ذرة ضعف أو حنين باقية له جوايا. رفعت راسي، وبصيت للطريق اللي قدامي وعيني كلها تحدي وشرار.. طارق فاكر إنه عمل المفاجأة الأكبر؟ لسه مشافش مفاجأتي أنا.. واللعبة يلا دوب بدأت!
ركبت أول تاكسي قابلني برة المطار، وقبل حتى ما السواق يسألني “على فين يا فندم؟”، كنت مخلصة نيتي ومقررة طريقي. مروحتش على بيتنا.. بيتنا اللي كل ركن فيه بيفكرني بكدبه ووعوده المزيفة. روحت على شقة ليلى القديمة، شقة أبويا الله يرحمه اللي مقفولة بقالها سنين.
مكان الوحيد اللي هعرف أستخبى فيه من نظرات الشفقة ومن أسئلة الناس. طول السكة وأنا باصة من شباك التاكسي على شوارع القاهرة والبيوت المنورة، وبسأل نفسي: “أنا قصرت في إيه؟”. اتناشر سنة كنت له الزوجة والحبيبة والظهر، اتناشر سنة بستناه يرجع من كل رحلة وقلقي عليه بياكل في قلبي، وفي الآخر ينزلني في محطة تانية خالص ويبدلني في ثانية؟!
أول ما دخلت الشقة، ريحة التراب والذكريات لفت المكان. قفلت الباب ورايا بالمفتاح والترباس، وسندت ضهري عليه.. وهناك، في الضلمة، انهرت. قعدت على الأرض وبكيت بكا عمري ما بكيته قبل كده، بكا مكتوم وخوف وكسرة نفس. طلعت كل الوجع اللي حبسته في المطار وفي التاكسي، لحد ما حسيت إن حنجرتي اتجرحت وصوتي اختفى تماماً. ساعتين كاملين وأنا على الحال ده، لحد ما النور بدأ يشقشق من الشباك. قمت، غسلت وشي بمية ساقعة، وبصيت لنفسي في المراية.. عيني كانت حمرا ومنفوخة، بس النظرة اللي فيها كانت غريبة.. مكنش فيها عياط تاني. مفيش دموع هتنزل على واحد باع العمر كله في ليلة.





