المحكمة

لمحة نيوز

يقولك إن البيت ده مش بتاعك، ما تخافيش.
ضحكت وقتها.
مين هيعمل كده يا جدي؟
قال
اللي نفسه فيه.
افتكرت الجملة دي فجأة.
وقفت.
وبدأت أدور في أوضته.
فتحت الدولاب.
الأدراج.
الصندوق القديم.
لحد ما لقيت دفتر صغير.
مش وصية.
ولا عقد.
دفتر حسابات.
فتحته.
لقيت أرقام ومصاريف وأسماء.
وفي آخر صفحة، جملة بخط جدي
البيت والأرض لسلمى وحدها، وأي مطالبة من جمال لازم تواجهها بالمستندات.
قلبي دق.
بس الدفتر كان ناقص منه صفحات.
حد كان شال جزء منه.
مين؟
أنا كنت عارفة.
رجعت البيت.
قعدت أراجع كل حاجة.
وبعد ساعات، افتكرت حاجة.
قبل وفاة جدي بشهر، كنت بصور بعض أوراقه بالموبايل.
كنت بساعده يرتب الملفات.
فتحت النسخة الاحتياطية.
لقيت صورًا لصفحات من الدفتر.
كل الصفحات اللي اختفت كانت عندي صور منها.
ومن بينها صفحة مهمة جدًا.
كانت بتسجل مبلغًا كبيرًا دفعه جدي لعمي قبل سنوات.
وتحت المبلغ توقيع عمي.
وفي أسفل الصفحة جملة
مقابل التنازل عن أي مطالبة مستقبلية في البيت والأرض.
قفلت الموبايل.
دلوقتي فهمت.
عمي مش بس كان طماع.
هو كان عارف من البداية إنه ما عندوش حق.
وعشان كده كان بيحاول يخلق حق جديد من خلال المحكمة.
في صباح الجلسة، وقفت قدام المراية.
لبست الزي العسكري القديم.
علقت الميداليات على صدري.
بصيت لنفسي.
ركبتي كانت بتوجعني.
لكن وقوفي كان ثابت.
قلت لنفسي
إنتِ مش رايحة تحاربي عَمك.
سكت لحظة.
إنتِ رايحة تحمي حقك.
خدت الملف.
وقبل ما أخرج، بصيت لصورة جدي.
وعد مني.
رجعنا للحظة اللي دخلت فيها المحكمة.
القاضي كان لسه باصص لي.
قال
مدام سلمى، إنتِ فعلًا حفيدة الحاج عبدالرحمن عبدالسلام؟
أيوه.
قال
وكنتِ موجودة معاه في آخر أيامه؟
أيوه.
هنا عمي اتحرك.
قال
يا سيادة القاضي، وجودها معاه مش دليل على الملكية.
القاضي رفع إيده.
أنا لسه ما سألتكش.
عمي سكت.
القاضي قلب الأوراق.
القضية بتقول إن المدعي يطالب بإثبات حق في العقار.
قال لعمي
عندك مستند أصلي؟
عمي طلع ملف.
عندي عقد قديم.
القاضي أخده.
قراه.
وبعدين قال
العقد ده لا يثبت الملكية.
عمي اتوتر.
بس فيه اسمي.
اسمك موجود، لكن مش باعتبارك مالك.
سعاد بدأت تتحرك في كرسيها.
القاضي سأل
فين مستند التنازل أو الميراث اللي بتعتمد عليه؟
عمي سكت.
أنا كنت قاعدة هادية.
لأني كنت عارفة إن لسه دوري ما جاش.
القاضي بصلي.
مدام سلمى، عندك مستندات؟
فتحت الملف.
طلعت أول ورقة.
دي صورة من وصية جدي.
القاضي قراها.
وبعدين قال
والأصل؟
قلت
الأصل موجود في المحكمة من قبل وفاة جدي.
القاضي طلب الملف الأصلي.
بعد دقائق وصل.
فتح الوصية.
قرأ.
ثم رفع عينه لعمي.
الوصية واضحة.
عمي قال
أنا معترض.
على إيه؟
على صحتها.
هنا القاضي سكت.
وقال
عندك دليل إنها مزورة؟
عمي ما ردش.
القاضي كمل
يبقى اعتراضك مرفوض.
وبعدين التفت لي.
في حاجة تانية؟
قلت
أيوه.
طلعت صورة الدفتر.
حطيتها قدامه.
جدي كان مسجل إن عمي استلم مبلغ مقابل التنازل عن أي مطالبة في الأرض.
عمي انتفض.
دي مش أصلية!
قلت
الصورة من دفتر جدي.
قال
أي حد ممكن يكتبها.
القاضي بص له.
لكن توقيعك موجود.
سكت.
وبعدين سأل
هل تنكر التوقيع؟
عمي فتح بقه.
وقفله.
وقفل بقه تاني.
القاضي قال
ده سؤال بسيط.
عمي قال
التوقيع توقيعي.
هنا سعاد بصت له.
إنت قلت لي إنك ما مضيتش على حاجة.
هو تجاهلها.
لكن أنا كنت لسه مخبية آخر ورقة.
القاضي سألني
إيه تاني؟
طلعت صورة من كاميرا قديمة.
فيها عمي داخل غرفة جدي قبل وفاته بأيام، وفي إيده شنطة.
قلت
بعد وفاة جدي، اختفى الدفتر الأصلي.
القاضي بص للصورة.
وعندك دليل إنه أخده؟
قلت
لأ.
سكت.
لكن عندي دليل إنه كان آخر شخص دخل الغرفة.
القاضي قال
ده مش كفاية لوحده.
قلت
أنا عارفة.
وده كان مهم.
أنا ما كنتش عايزة أتهمه بحاجة ما أقدرش أثبتها.
القاضي بصلي باهتمام.
ثم قال
وده الفرق.
في اللحظة دي، عمي افتكر إنه لسه يقدر ينقذ نفسه.
قال
يا سيادة القاضي، أنا عندي سبب.
القاضي
اتفضل.
قال
أنا صرفت على الأرض سنين.
القاضي
هات إيصالات.
عمي سكت.
معاك؟
قال
لا.
القاضي
يبقى كلام.
عمي بدأ يتوتر.
وبعدين قال
أنا كنت محتاج الفلوس.
سكتت القاعة.
القاضي قال
دي مش مبرر لامتلاك شيء مش ملكك.
عمي بصلي.
إنتِ ممكن تساعديني.
قلت
كنت ممكن أساعدك لو طلبت.
قال
أنا حاولت.
هزيت راسي.
إنت حاولت تاخد.
سكت.
وبعدين حصلت اللحظة اللي ما كنتش متوقعاها.
سعاد قامت.
وبصت لجوزها.
وقالت
جمال كفاية.
هو بص لها.
اقعدي.
قالت
أنا سألتك من شهر الفلوس دي هتجيبها منين؟
سكت.
قلت لي إن الأرض بتاعتك.
بدأت تعيط.
إنت كذبت عليّا.
القاضي قال
مدام سعاد، لو عندك معلومة تخص القضية، اتكلمي.
بصت له.
وقالت
هو كان عارف إن الأرض مش بتاعته.
عمي صرخ
سعاد!
لكنها كملت.
وكان عنده اتفاق مع الشركة.
طلعت من شنطتها ورقة.
هو كان هيقبض مقدم قبل ما القضية تخلص.
القاعة اتقلبت.
القاضي أخد الورقة.
قرأها.
وسأل
ده توقيعك يا أستاذ جمال؟
عمي ما ردش.
القاضي كرر
ده توقيعك؟
وأخيرًا قال
أيوه.
بعدها الجلسة دخلت في مسار مختلف تمامًا.
القاضي طلب وقف أي إجراء متعلق ببيع الأرض.
وطلب مراجعة كل المستندات.
وبعد أسابيع من المراجعات، صدر الحكم.
البيت والأرض ملكي.
دعوى عمي اترفضت.
والمستندات اللي قدمها باعتبارها دليلًا على حقه ما أثبتتش أي ملكية.
أما اتفاق البيع، فدخل في تحقيق منفصل.
ما حسيتش بالفرحة اللي كنت متخيلها.
يمكن عشان الموضوع كله كان مؤلم.
أنا ما كنتش عايزة أشوف عمي يخسر.
كنت بس عايزاه يوقف.
بعد الجلسة الأخيرة، وأنا خارجة من المحكمة، سمعت صوته.
سلمى.
وقفت.
لفيت.
كان واقف لوحده.
من غير سعاد.
ومن غير الملف.
من غير الابتسامة الواثقة.
قال
إنتِ كسبتي.
قلت
القضية ما كانتش لعبة.
هز راسه.
أنا عارف.
سكت شوية.
وبعدين قال
أنا كنت فاكر إن الفلوس هتحل كل حاجة.
قلت
والفلوس خلتك تخسر حاجات أغلى.
بص في الأرض.
أنا آسف.
سكت.
كان ممكن أقول له كلام كتير.
لكنني قلت
أنا مش هنسى اللي حصل.
رفع عينه.
بس مش هفضل شايلة غضب طول عمري.
مشي.
وأنا رجعت بيتي.
بعدها بشهر، بدأت أصلح البيت.
دهنت الحيطان.
صلحت الشرفة.
زرعت ورد جديد قدام الباب.
وخليت شجرة الليمون زي ما هي.
وفي يوم، طلعت صندوق جدي.
حطيت جواه الوصية.
وصورة الدفتر.
والميدالية اللي كنت لابساها يوم المحكمة.
وقبل ما أقفل الصندوق، حطيت رسالة صغيرة.
كتبت فيها
يا جدي البيت لسه هنا. وأنا كمان.
قفلت الصندوق.
وبصيت للصورة المعلقة على الحيطة.
ولأول مرة، فهمت كلامه.
هو ما كانش سايبلي بيت.
كان سايبلي دليل.
دليل إن الإنسان ممكن يخسر ناس من عيلته، لكن ده مش معناه إنه خسر نفسه.
وأحيانًا، الدفاع عن حقك مش معناه إنك بتحارب عيلتك.
أحيانًا
أنت بس بتقول
لأ.
لما حد يحاول يقنعك إن التنازل هو الحل.
ومن يومها، كل ما حد يسألني عن البيت، بقول نفس الجملة
ده
بيت جدي.
وبس.
لا بشرح.
ولا بدافع.
ولا بخاف.
لأنني عرفت أخيرًا إن الحق مش محتاج صوت عالي.
الحق محتاج دليل وصبر ونَفَس طويل.
تمت. روايات_مشيره_محمد

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *