المحكمة
أول ما دخلت قاعة المحكمة وأنا لابسة الزي العسكري القديم بتاعي، كل الكلام اللي كان داير جوه القاعة اختفى في لحظة.
الناس سكتت.
حتى المحامين اللي كانوا واقفين بيتكلموا مع بعض، وقفوا وبصوا لي.
أنا مشيت بهدوء، رغم إن ركبتي القديمة كانت بتوجعني مع كل خطوة.
رفعت عيني ناحية آخر القاعة.
هناك كان عمي جمال قاعد جنب مراته سعاد.
أول ما شافني، ابتسم ابتسامة صغيرة.
ابتسامة الشخص اللي داخل المحكمة وهو واثق إنه كسبان.
سعاد كانت بتبصلي من فوق لتحت، وكأنها بتحاول تكتشف إذا كنت جاية خائفة ولا لأ.
لكن الحاجة الغريبة حصلت لما بصيت ناحية منصة القاضي.
القاضي أول ما شافني، ثبت عينيه عليّا.
إيده وقفت فوق الورق.
وبعدين قال بصوت واطي
استني…
القاعة كلها سكتت أكتر.
القاضي قرب بنظره مني وقال
إنتِ… سلمى عبدالسلام؟
قلت
أيوه يا سيادة القاضي.
فضل باصص لي كام ثانية.
وبعدين هز راساه وقال
يا نهار أبيض…
رفع عينه للملف.
إنتِ هي فعلًا.
ما فهمتش قصده.
لكن قبل ما أعرف، رجعنا بالزمن يومين.
قبل يومين من الجلسة، كنت في بيتي الصغير، واقفة قدام الشباك بقص شوية ورد.
البيت كان هادي.
أنا بحب الهدوء.
يمكن عشان سنين الخدمة علمتني إن الهدوء أحيانًا أغلى من أي حاجة.
سمعت صوت حاجة بتقع في صندوق البريد.
مسحت إيدي في هدومي، ونزلت أجيبها.
كان جواب عليه ختم المحكمة.
أول ما شفته، حسيت بحاجة تقيلة نزلت على صدري.
فتحته.
قرأت أول سطر.
وبعدين قرأته تاني.
دعوى قضائية بشأن ملكية عقار وأرض.
المدعي
جمال عبدالسلام وسعاد عبدالسلام.
المدعى عليها
سلمى عبدالسلام.
فضلت واقفة مكاني.
عمي ومراته رافعين عليّ قضية.
على بيتي.
بيت جدي.
البيت اللي عشت فيه وأنا صغيرة.
البيت اللي جدي بناه بإيده.
والبيت اللي في وصيته كتبه باسمي.
ما عيطتش.
ما اتصلتش بعمي.
بس قعدت على الكرسي قدام البيت وفضلت أبص للورقة.
كان عندي سؤال واحد
ليه دلوقتي؟
عمي طول عمره عايز الأرض.
دي حقيقة.
بس عمره ما كان يقدر يواجهني بشكل مباشر.
كان دايمًا يرمي كلام من بعيد.
الأرض كبيرة عليكي.
إنتِ لوحدك هتعملي بيها إيه؟
الأفضل نبيع جزء منها ونستفيد كلنا.
وأنا كنت دايمًا أرد
جدي كتبها لي.
فيضحك ويقول
إنتِ لسه صغيرة ومش فاهمة الدنيا.
لكن أنا ما كنتش صغيرة.
خصوصًا بعد اللي شفته في حياتي.
خدمت في الجيش سنين.
اتعلمت إن كلمة مش فاهم أحيانًا بتكون مجرد طريقة عشان حد يخليك تتنازل عن حقك.
وفي واحدة من المهمات، حصل انفجار قريب من العربية اللي كنا فيها.
خرجت مصابة في رجلي.
قضيت شهور في العلاج والتأهيل.
رجعت وأنا مختلفة.
كان معايا ميداليات.
وكان معايا ألم مزمن في ركبتي.
وكان معايا ذكريات ما بحبش أتكلم عنها.
لكن كان لسه عندي بيتي.
بيت جدي.
وده كان كفاية.
في نفس الليلة، وأنا قاعدة بفكر، سمعت عربية بتقف قدام البيت.
بصيت من الشباك.
عربية سودا.
نزل منها راجلين.
واحد كبير في السن، والتاني أصغر منه.
قربوا من الباب.
فتحت لهم.
الراجل الكبير قال
مساء الخير.
مساء النور.
حضرتك سلمى عبدالسلام؟
أيوه.
بص للتاني.
وبعدين قال
إحنا من شركة استثمار عقاري.
قلبي بدأ يدق أسرع.
خير؟
قال
إحنا كنا فاكرين إن الأرض معروضة للبيع.
سكت.
مين قال لكم كده؟
طلع ملف.
فتح أول صفحة.
وشفت اسم عمي.
جمال عبدالسلام.
قلت
هو اللي كلمكم؟
الراجل هز راسه.
أيوه.
وعايز يبيع إيه؟
جزء كبير من الأرض.
بكام؟
قال رقمًا ضخمًا.
رقم لو سمعه أي حد، ممكن يتخيل إنه كفيل يغير حياته بالكامل.
لكن أنا ما اتفاجئتش بالمبلغ.
أنا اتفاجئت إن عمي وصل للمرحلة دي.
قلت
الأرض مش للبيع.
الراجل اتوتر.
إحنا آسفين، بس الأستاذ جمال قدم نفسه باعتباره صاحب حق في الملكية.
قلت
هو مش صاحبها.
مشوا بعد شوية.
وأنا فضلت واقفة قدام الباب.
مسكت الورقة اللي سابوها.
واتصلت بعمي.
رد بعد تالت رنة.
قلت
إنت بتبيع أرض جدي؟
سكت.
رد يا عمي.
قال
إنتِ فاهمة الموضوع غلط.
ضحكت من الصدمة.
الشركة جات لحد عندي.
أنا كنت بتفاوض معاهم.
على أرض مش بتاعتك؟
سكت ثواني.
وبعدين قال
اسمعيني يا سلمى… أنا في مشكلة.
نبرة صوته اتغيرت.
لأول مرة ما سمعتش فيها غرور.
سمعت خوف.
قال
أنا عليّا ديون.
سكت.
كتير.
فضلت ساكتة.
كمل
الشغل وقع، وخدت قروض عشان أفتح مشروع جديد، والمشروع خسر.
وده له علاقة بأرض جدي إزاي؟
قال
البنك حاطط مهلة أخيرة.
يعني؟
يعني لو ما دفعتش، هاخسر البيت اللي أنا عايش فيه.
حسيت بالشفقة للحظة.
كان ممكن أقول له
طب اطلب مساعدتي.
لكن قبل ما أتكلم، قال
الأرض هي الحل.
هنا اختفت شفقّتي.
قلت
الأرض مش بتاعتك.
قال
أنا عمك.
وده مش رد.
صوته علا
أنا لو وقعت، العيلة كلها هتتأذي!
قلت
إنت اللي وقعت يا عمي، مش أنا.
وقفلت المكالمة.
تاني يوم، وأنا بحاول أفهم حجم المشكلة، لقيت ظرف قديم بين البريد.
كان من البنك.
إنذار نهائي بسداد مبلغ كبير.
التاريخ كان قبل وفاة جدي بسنين.
يعني ديون عمي ما كانتش جديدة.
كان غرقان من زمان.
والأغرب إن المبلغ اللي كان هياخده من بيع الأرض كان أكبر بكتير من ديونه.
هنا بدأت الصورة تتضح.
عمي مش عايز الأرض عشان ينقذ نفسه بس.
هو عايز يبيعها، يسدد ديونه، ويفضل معاه مبلغ ضخم.
لكن في حاجة تانية كانت ناقصة.
ليه رفع قضية بدل ما يطلب مني الأرض؟
الإجابة وصلتني بعدها بساعات.
فتحت ورقة القضية مرة تانية.
اكتشفت إن عمي ما كانش بيطلب بيع الأرض كلها.
كان بيطلب إثبات إن له حصة فيها.
لو المحكمة اعترفت بحصته، كان يقدر يضغط عليّا وأدخل في مفاوضات.
وكان يقدر يستخدم الحكم قدام الشركة.
يعني القضية بالنسبة له كانت مفتاح البيع.
مش مجرد خلاف عائلي.
وقتها قررت ما أستناش.
اتصلت بالمحكمة.
الموظفة قالت لي
لازم تحضري بنفسك.
وسألتها
هو قدم مستندات؟
قالت
أيوه.
إيه نوعها؟
مستندات قديمة تخص الملكية.
قفلت معاها.
ولأول مرة حسيت إن الموضوع أخطر من مجرد طمع.
عمي كان مجهز.
تاني يوم، رحت بيت جدي.
وقفت قدامه فترة طويلة.
الدهان كان واقع من الحيطان.
الشرفة محتاجة تصليح.
شجرة الليمون اللي زرعها جدي كانت لسه موجودة.
دخلت.
ريحة الخشب القديم رجعتني سنين لورا.
بصيت للصورة المعلقة على الحيطة.
صورة جدي.
قربت منها.
وقلت
إنت كنت عارف، صح؟
طبعًا ما ردش.
لكن كلامه القديم رجع في دماغي.
قبل وفاته بأسبوع، كنت قاعدة جنبه.
كان تعبان.
مسك إيدي وقال
يا سلمى، لو في يوم حد حاول


