اول يوم في حياتي من حكايات فاتن


في الشهر التاسع
الفصل الأول: وحيدة في مواجهة الدنيا
كان المطر ينزل خفيف على شوارع شبرا في مساء بارد من شهر يناير.
وقفت نجلاء قدام محل ملابس كبير وهي تحاول تلتقط أنفاسها.
عمرها سبعة وثلاثين سنة.
وفي شهرها التاسع.
بطنها الكبيرة كانت بتسبقها بخطوات، ووشها الشاحب كان يحكي حكاية تعب طويلة.
من سنة كاملة اتقلبت حياتها.
جوزها سامح سابها أول ما عرف إنها حامل.
قال لها بكل برود:
ـ أنا مش مستعد للخلفة دلوقتي.
نجلاء بصت له مصدومة.
ـ يعني إيه؟
ـ يعني كل واحد يروح لحاله.
ورمى ورا ضهره عشر سنين جواز.
خرج من البيت وسافر.
وسابها تواجه الدنيا لوحدها.
كانت بتشتغل محاسبة في شركة صغيرة.
والمرتب بالعافية بيكفي الإيجار والعلاج.
لكنها كانت مصممة تكمل.
عشان بنتها.
البنت اللي كانت مستنياها بعد سبع سنين حرمان.
دخلت المحل تشتري طقم صغير للمولودة.
كانت عايزة حاجة بسيطة.
حاجة تفرح قلبها.
لفت بين الرفوف وهي تتأمل الفساتين الصغيرة.
وفجأة…
حست بوجع شديد في بطنها.
تجمدت مكانها.
وضعت يدها على بطنها.
الوجع اختفى.
ثم عاد أقوى.
همست:
ـ يا رب استر.
وأثناء محاولتها تستند على أحد الأرفف، سقطت علبة زجاجية على الأرض.
تحطمت.
استدارت البائعة بغضب.
ـ إنتِ عملتي إيه؟
ـ والله غصب عني…
لكن المرأة لم تعطها فرصة للكلام.
ـ هتدفعي تمن الحاجة دي.
ـ أنا تعبانة…
ـ ماليش دعوة.
بدأ الناس يتجمعون.
وشعرت نجلاء بالخجل.
ثم جاءها انقباض أقوى.
انحنت من الألم.
وقالت بصوت مرتجف:
ـ أرجوكي اتصلي بإسعاف.
لكن البائعة صرخت:
ـ قبل ما تمشي تدفعي الحساب.
الفصل الثاني: الرجل الغامض
في اللحظة دي…
اتسمع صوت هادئ خلفهم.
ـ كفاية.
ساد الصمت.
استدار الجميع.
كان هناك رجل في أوائل الأربعينات.
يرتدي قميصًا بسيطًا وبنطلونًا أسود.
لكن هيبته كانت مختلفة.
تقدم نحو نجلاء بسرعة.
وقال:
ـ بصيلي… خدي نفس عميق.
ثم أخرج هاتفه واتصل بالإسعاف.
البائعة صاحت:
ـ دي كسرت البضاعة!
نظر إليها الرجل بهدوء أخافها.
ـ وإنتِ بتمنعي ست بتولد إنها تروح المستشفى؟
ـ حضرتك مالك؟
ابتسم ابتسامة باردة.
ـ أنا مالك سلسلة المحلات دي كلها.
شحب وجهها فجأة.
واختفى صوتها.
أما الحراس الذين كانوا واقفين بعيد…
فتراجعوا فورًا.
قال الرجل:
ـ اسمك إيه؟
ـ نجلاء.
ـ متخافيش يا نجلاء.
أنا جنبك.
ولأول مرة ذلك اليوم…
شعرت أنها ليست وحدها.
الفصل الثالث: ليلة الولادة
وصلت الإسعاف.
وكانت الطلقات بدأت تتقارب.
الرجل ركب معها.
وفي المستشفى تحولت الساعات إلى كابوس.
صرخات.
وأطباء.
وأجهزة.
وخوف.
وخارج غرفة العمليات…
كان الرجل الغريب ينتظر.
اسمه فؤاد.
رجل أعمال معروف.
لكن لا أحد يعرف أن حياته كانت مليئة بالأحزان.
فقد زوجته وابنته في حادث قبل سنوات.
ومن يومها عاش وحيدًا.
وفجأة…
خرج صوت بكاء طفلة.
توقف الزمن.
ابتسم الطبيب.
ـ مبروك… بنت زي القمر.
أغمض فؤاد عينيه.
وشعر بشيء يتحرك في قلبه لأول مرة منذ سنوات.
الفصل الرابع: بداية جديدة
عندما استعادت نجلاء وعيها…
وجدت بجوارها باقة ورد صغيرة.
وكارت مكتوب عليه:
“أنتِ أقوى أم شفتها في حياتي.”
ابتسمت رغم دموعها.
وفي الأيام التالية…
كان فؤاد يزورها يوميًا.
يجلب لها احتياجات الطفلة.
ويساعدها دون أن يشعرها بالشفقة.
حكى لها عن حياته.
وحكت له عن خذلان زوجها.
ومع الوقت…
بدأت صداقة جميلة تنشأ بينهما.
لكن لم يكن الجميع سعيدًا بذلك.
الفصل الخامس: عودة الماضي
بعد ثلاثة أشهر…
ظهر سامح فجأة.
وقف أمام باب الشقة.
وهو ينظر إلى الطفلة.
ـ دي بنتي.
نجلاء اشتعلت غضبًا.
ـ افتكرت دلوقتي؟
ـ جاي أخد مراتي وبنتي.
ضحكت بسخرية.
ـ مراتي؟
إنت طلقتني ورميتني وأنا حامل.
لكنه لم يكن وحده.
كان غارقًا في الديون.
وعرف أن فؤاد يساعدها.
فظن أن هناك أموالًا يمكنه الحصول عليها.
وبدأت المشاكل.
والتهديدات.
والمطاردات.
حتى وصلت الأمور للمحاكم.
الفصل السادس: الحقيقة
في المحكمة…
ظهرت كل الرسائل القديمة.
وكل التحويلات.
وكل الأدلة التي تثبت أنه تخلى عنها.
وقف القاضي وقال:
ـ الرجل فقد حقه الأدبي قبل القانوني يوم تخلى عن زوجته الحامل.
خرج سامح مهزومًا.
أما نجلاء…
فشعرت لأول مرة أن العدالة موجودة.
الفصل السابع: مفاجأة القدر
مرت سنة كاملة.
كبرت الطفلة.
وأصبحت تنادي فؤاد:
ـ بابا فؤاد.
وكان قلبه يذوب كلما سمعها.
وفي عيد ميلادها الأول…
جمع الأصدقاء والعائلة.
وأثناء الاحتفال…
وقف فؤاد أمام الجميع.
وأخرج علبة صغيرة.
ونظر إلى نجلاء.
وقال:
ـ من يوم دخلتي حياتي وأنا حسيت إن ربنا بيعوضني.
يمكن أنقذتك يومها…
لكن الحقيقة إنك إنتِ اللي أنقذتيني.
هل تقبلين تتجوزيني؟
ساد الصمت.
ثم انفجرت نجلاء بالبكاء.
وسط تصفيق الجميع.
وقالت:
ـ موافقة.
الفصل الأخير: بعد العاصفة
بعد عامين…
كانت نجلاء تقف في شرفة فيلتها الصغيرة.
تحمل ابنتها بين ذراعيها.
وفؤاد يقف بجوارها.
تذكرت ذلك اليوم.
يوم كانت امرأة حامل وحيدة.
مكسورة.
مذلولة.
داخل محل ملابس.
ولم تكن تعرف أن الله يخبئ لها بداية جديدة.
وأن أسوأ يوم في حياتها…
سيكون أول يوم في أجمل فصل من عمرها.
تمت ❤️.


