ياسين الجارحي الثالث بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

الفصل الثالث ياسين الجارحي بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
أنتي مين؟ نور انتفضت في مكانها، وحست بضغط إيديه القوية على دراعها كأنها كَلّاب من حديد. بصت له بذعر والطفلة في حضنها بدأت تتحرك بتقلق، صوتها خرج مرعوب ومبتور:
ـ “ياسين بيه!.. حضرتك بتوجعني.. في إيه اللي حصل?!”
ياسين ما نزلش عينيه من على وشها. النظرة الحادة اللي كانت في عينيه اتتحولت لشلال من الغضب والشك الممزوج بالصدمة. كان بيتنفس بسرعة، وعروق رقبته برزت من شدة التوتر.
سحب إيده بشويش عشان الطفلة ما تفزّش، بس فضّل مائل عليها، وقال بنبرة واطية زاي الخناجر:
ـ “أنتِ جاية هنا إزاي؟ وسليم جابك منين بالظبط؟ قوليلي كل كلمة قالها لك ليلتها!”
نور لفت إيديها أكتر حوالين الرضيعة وهي بترجع لورا على الكنبة، وعينيها دمعت من الخوف:
ـ “والله العظيم ما أعرف حاجة! أستاذ سليم هو اللي أنقذني بعد الحادثة.. أنا صحيت في المستشفى مش فاكرة اسمي ولا أهلي ولا أي حاجة قبل الخبطة! هو اللي سماني نور جابر عشان يعرف يطلع لي ورق مؤقت.. والله ما بضحك عليك يا بيه!”
ياسين قام وقف بطوله، وحط إيديه في جيوبه وهو بيلف في الأوضة زي النمر المحبوس. عقله كان بيغلي: هل دي تمثيلية؟ هل الست دي بتدّعي فقدان الذاكرة عشان تهرب من عقابه وتفضل جنب بنتها؟ ولا القدر يلعب معاه أحقر لعبة ويجيب الأم لحد بيته من غير ما هي حتى تعرف؟!
التفت لها وقال بصوت جاف كالصلب:
ـ “من النهاردة.. ممنوع تطلعي برة الباب ده من غير إذني. ومفيش خروج للجنينة. فاهمة؟”
نور هزت رأسها بالوافق من غير ما تنطق، ودقات قلبها بتضرب في ضلوعها.
نزّل ياسين الدور الأرضي فوراً، وطلب مدير مكتبه في التليفون الساعة ثلاثة الفجر. أول ما التليفون اتفتح، ياسين زعق بنبرة تخرّش الحجر:
ـ “تصحى دلوقتي وتجيب لي أستاذ سليم وتاريخ البنت اللي عنده خطوة بخطوة! من ساعة ما العربية خبطتها لحد ما دخلت بيتي! وبكرة الصبح بدري تعمل لي تحليل DNA تاني.. بين الطفلة وبين البنت دي من غير ما تحس!”
مدير المكتب اتخض:
ـ “تحليل بين البنت ونور المربية يا ياسين بيه؟!”
ياسين قفل السكة في وشه من غير ما يرد، وبص للشباك العالي المطلع على عتمة الليل.
لو طلعت هي… لو طلعت نفس الست اللي رمت لحمها قدام البوابة وجاية دلوقتي تعمل دور البريئة الفاقدة للذاكرة… مش هيرحمها. هيدفعها ثمن كل لحظة عجز عاشها قدام عياط بنته، وثمن الجرح اللي سابته في كبريائه.
تاني يوم الصبح…
كان الجو في القصر مشحون برهبة مش طبيعية. ياسين ما نزلش شركته، فضل قاعد في مكتبه يقيد ويسود.
نور كانت فوق في الأوضة، حاسة بخوف مبهم. الطفلة كانت نايمة على صدرها بتهدئة، ونور بتمسح على شعرها الصغير ودموعها بتنزل في صمت:
ـ “أنا ليه حاسة إن قلبي مقسوم نصين؟ وليه حاسة إن المكان ده مرعب وفي نفس الوقت مش قادرة أبُعد عنك؟”
فجأة، الباب اتفتح بهيبة مرعبة.
دخل ياسين، وفي إيده ظرف أبيض مقفول. ملامحه كانت خالية من أي تعبير، بس عينيه كانت بتلمع بشرار مخيف.
نور وقفت برعب والطفلة في حضنها:
ـ “ياسين بيه…”
ياسين قرب منها ببطء شديد، لحد ما بقى واقف قدامها مباشرة. رفع الظرف وحطه قدام وشها، وقال بنبرة هادية بس ترعب الأبدان:
ـ “النتيجة طلعت يا… ملك.”
نور رفعت عينيها باستغراب وذهول:
ـ “ملك؟! مين ملك؟”
ابتسم ياسين بسخرية مريرة وقاتلة، وقرب من ودنها يهمس ببرود:
ـ “ملك.. اسمك الحقيقي اللي مكتوب في بلاغ الحادثة القديم اللي سليم ما وصلوش.. والأهم من كده…”
فتح الظرف ورمى الورقة في أحضانها:
ـ “إن البنت اللي في حضنك دي… بنتك. وأنتي الأم اللي رمتها قدام باب قصر الجارحي ومشت!”
الكلمة نزلت على راسها زي الصاعقة. “بنتك?!”
ملك بصت للورقة اللي وقعت في حضنها بإيدين بترتعش. عينيها كانت بتتحرك على الحروف الإنجليزية والنسبة المكتوبة تحت: 99.9%. النسبة دي ما كانتش مجرد أرقام، دي كانت مفتاح الباب المقفول جوة عقلها.
فجأة… الصداع المرعب اللي كان بيموتها كل ما تحاول تفتكر، هجم عليها بضراوة!
ضربات في نفوخها زي المطارق، صور سريعة ومتشابكة بدأت تلمع في خيالها زي شريط سينما مقطوع:
غرفة فندق ضلمة… دموع مكتومة على مخدة غريبة… اختبار حمل إيجابي وإيدين بتترعش في حمام ضيق… شهور الفقر والجوع… وش التعب والولادة… وأخيرًا، ليلة المطر وسلة خوص بيضا بتتحط قدام بوابة قصر فخم، وورقة صغيرة بتتكتب بدموع عينها: “البنت دي بنتك.”
ملك حطت إيدها على راسها وصرخت صرخة مكتومة من وجع الصداع والذكريات اللي اندفقت مرة واحدة. الذاكرة رجعت… بس مع رجوعها، الوجع أكل قلبها!
بصت للرضيعة اللي في حضنها، وبقت تبكي بهستيريا وتشهق، وجسمها كله بيتفض. ضمّت الطفلة لقلبها بكل قوتها وكأنها خايفة تروح منها تاني، وجاء صوتها مشروخ ومكسور:
ـ “بنتي… إنتي بنتي أنا؟! أنا ماسبتكيش في الشارع… أنا ما رمتكيش والله ما رمتك!
ياسين كان واقف يتأمل انهيارها ببرود قاسي، بس في أعماقه، رد فعلها التلقائي وصدمتها الشديدة هزت حاجة جوة قلبه لأول مرة. ومع ذلك، غروره وكبرياءه رفضوا يستوعبوا.
قرب منها خطوة وشد الورقة من إيدها، وقال بنبرة مليانة سخرية وسم:
ـ “ما رمتيهاش؟! أُمال اللي حصل ده تسميه إيه؟ جاية تمثلي عليا دور الفاقدة للذاكرة ورجعتي تدخلي بيتي بتدبير عشان تفضلي جنبها؟!

