ياسين الجارحي الثالث بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

ملك حسّت بقشعريرة سرت في جسمها كله أول ما صوابعه لمست دقنها، ونبرة صوته الدافية اخترقت هدوء الليل وربكت كل حساباتها. ضربات قلبها بقت مسموعة، وبصت في عينيه بشرود وتوتر مش عارفة تداريه.
سحبت نفسها لورا خطوة بالراحة عشان تهرب من قُربه اللي كان بيلخبط كيانها، ونزلت عينيها في الأرض وهي بتشد الجاكت بتاعه حولين كتافها:
ـ “أنا بخير يا ياسين بيه.. قصدِي، يا ياسين. الحمد لله ليلي كويسة، وده كل اللي يهمني في الدنيا.”
ياسين ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة هادية وصافية لأول مرة تظهر على وش الراجل الحاد اللي كانت الصحافة بتتكلم عن قسوته وجفافه. خطى خطوة تانية ناحيتها، وسند بظهره على سور البلكونة وهو بيتأمل ملامحها الناعمة في ضوء القمر.
قال بصوت هادي يملؤه الندم:
ـ “أنا ظلمتك يا ملك مرتين.. مرة يوم الفندق واللي حصل مكنتش في وعي.. والتانية ليلة ما لقيت البنت، الغضب كان عماني. كبريائي ما قبلش فكرة إن واحدة ترمي طفلة على باب بيتي وتمشي.. بس لما عرفت الحقيقة، وعرفت إنك اتعرضتي لكل الوجع ده لوحدك، اتمنيت لو الزمن يرجع عشان أكون أنا السند مش السبب في الكابوس ده.
ملك رفعت عينيها وبصت له بصدمة.. ما كانتش متوقعة إن ياسين الجارحي، بنفوذه وكبريائه، ممكن يعترف بذنبه أو ينطق بكلمات آسفة بالشكل ده.
دمعة خفيفة لمعت في عينها، بس المرة دي ما كانتش دمعة حزن، كانت دمعة راحة من عدل ربنا. قالت بصوت مبحوح:
ـ “كل حاجة كانت قدر يا ياسين.. المهم إن ربنا جمعني ببنّتي تاني، وإنها في أمان معاك.
ياسين قرب منها وسحب إيدها المرتعشة بين إيديه الكبار، وضغط عليها برفق وأمان:
ـ “البنت دي مش بس في أمان معايا يا ملك.. البنت دي رجعتلي روحي، وأمها ردتلي قلبي اللي كنت فاكر إنه مات من زمان. أنا قلت لك في الأول إن جوازنا صوري حماية للاسم.. بس النهاردة، أنا بطلب منك تديني فرصة نكون عيلة بجد.. زوج وزوجة وأم وأب لـ ليلي.
ملك بصت لإيديه اللي ماسكة إيدها، وبعدين بصت في عينيه اللي كانت مليانة صدق ورغبة حقيقية في بداية جديدة. حسّت إن كل المرار والفقر والضياع اللي عاشته في حياتها كان تمهيد لللحظة دي.. لللحظة اللي تلاقي فيها الأمان اللي انحرمت منه طول عمرها.
هزت رأسها بابتسامة دافية والدموع نازلة على خدها:
ـ “مواقفة يا ياسين.. نفتح صفحة جديدة.”
في اللحظة دي، خرج صوت مناغاة خفيفة من الأوضة جوة.
ياسين التفت وبص لملك، وضحك بصوت عالي وهادي وهو بيمسك إيدها وبيمشوا سوا ناحية الأوضة. كانت “ليلي” صحيت ومفتحة عينيها الصغيرين، وأول ما شافتهم داخلين سوا، ابتسمت ابتسامة بريئة وسكتت، كأنها كانت مستنية اللحظة دي بالذات عشان تعلن إن قصر الجارحي أخيراً بقى فيه بيت ودفء حقيقي.
مرت الأيام والشهور في قصر الجارحي، والهدوء اللي اتعود عليه المكان أتبدّل بضحكات وصوت جري ليلي في الممرات. القصر اللي كان زمان عبارة عن جدران باردة وحراسة مشددة، بقى ماليان دفء وحياة.
ياسين اتغير تماماً؛ الراجل اللي كانت الجرايد بتوصفه بالقسوة والجمود، بقى بيسيب اجتماعاته المهمة عشان يلحق ميعاد عشا بنته، أو يرجع بدري مخصوص عشان ياخد ملك وليلي في جولة في الجنينة.
في يوم، كان ياسين قاعد في مكتبه بيراجع ورق صفقة جديدة، فتح باب المكتب بالراحة وتسللت ملك ومعاها صينية فيها قهوته المضبوطة.
قربت منه بابتسامة هادية وحطت الفنجان قدامه:
ـ “القهوة اللي بتحبها.. عشان عارفة إنك مجهد من الصبح.”
ياسين ساب القلم من إيده، ومسك إيدها وشدها بالراحة لحد ما قعدت على كرسي جنب مكتبه. بص في عينيها بنظرة مليانة امتنان وحب حقيقي:
ـ “أنا مش مجهد من الشغل يا ملك.. أنا بكون مجهد طول ما أنا بعيد عنكم. البيت ده ما بقاش له قيمة عندي غير لما دخلتيه أنتِ وليلي.”
ملك ابتسمت بخجل، وحطت إيدها التانية فوق إيده:
ـ “ربنا يديمك لينا يا ياسين.. أنت عوضتنا عن كل يوم مرار عشنا بعاد.”
وفجأة، اتفتح باب المكتب وجمعت ليلي، اللي بقت تطبق سنتين، وهي بتجري بخطواتها الصغيرة وتصرخ بفرحة:
ـ “بابا!”
ياسين شالها بسرعة ورَفَعها لفوق وضحكته رنت في الأوضة، وحطها في حضنه، وضم ملك بإيده التانية لقلبه.
في اللحظة دي، ياسين بَص لشباك مكتبه العالي اللي كان زمان بيقف قدامه بعجز وغضب يدور على الانتقام، وأدرك إن أعظم صفقة كسبها في حياته ما كانتش بالملايين ولا بالنفوذ… كانت العيلة اللي اتولدت من قلب المعاناة والقدر.



