ياسين الجارحي الثالث بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

​ملك رفعت راسها وبصت في عينيه، وعينيها كانت حمرا من كتر البكاء، وصوتها طلع قوي ومستغيث في نفس الوقت:
ـ تدبير إيه يا ياسين بيه؟! أنا لو كنت فاكرة، كنت هخاف أجي هنا! أنا سيبتهالك عشان كنت بموت ومش لاقية لقمة آكلها ولا علاج أجيبهولها لما تتعب! سيبتهالك وأنا قلبي بيموت، وقلت ياسين الجارحي هيحميها من الفقر اللي أنا فيه! أنا لما لفيت وشي وجريت قبل ما ارجع اخدها فحضني تاني ليلتها، عربية خبطتني وطيرتني، وصحيت مش فاكرة اسمي ولا فاكرة إن كان عندي طفل أصلًا!”
​ياسين اتجمد مكانه، وعينيه اتوسعت بذهول. الكلام نزل عليه يربك كل حساباته. افتكر تقرير مدير مكتبه اللي جاله الصبح، واللي أكد إن بلاغ الحادثة كان في نفس ليلة العثور على البنت وبفارق لحظات عن الميعاد، وأن الحادثة كانت قوية وسببت لها غيبوبة وفقدان ذاكرة حقيقي بتوصية طبية.
​ملك مسكت في جاكيت ياسين بكفوفها المرتعشة، واترجته وهي بتعيط بحرقة: أنت كسرتني وأخد اغلى ما عندي البنت بتحافظ عليه طول عمرها
ـ “أنا مش عايزة منك حاجة.. ولا عايزة فلوس ولا أي حاجة.. أرجوك يا ياسين بيه، خليني جنب بنتي ماتحرمنيش منها.. دي الحاجة الوحيدة اللي حسستني إن ليا وجود في الدنيا دي!

​ياسين بص لإيدها اللي ماسكة في هدومه، وبعدين بص لعينين بنته الصغيرة اللي كانت باصة لأمها وساكتة تماماً كأنها حاسة بأمان الدنيا كله.

​الغضب اللي كان قايد جواه عشان يعاقب الست اللي أذت كبرياءه، بدأ يتحول لمزيج معقد من الشعور بالذنب، والدهشة، والارتباك قدام مشاعر أمومة صادقة ما قدرش النفوذ أو المال يشتريها.
​سحب دراعه بالراحة من إيدها، ولف وشها الناحية التانية وهو بيحاول يسيطر على تشتت أفكاره، وقال بنبرة حادة بس خالية من الانتقام:
ـ “البنت دي شايلة اسم الجارحي.. ومفيش أم لبنتي هتعيش في الظل ولا هتمشي من القصر ده تاني.

​ملك رفعت راسها بذهول:
ـ “يعني إيه؟”
​التفت ليها ياسين وعينيه متثبتة في عينيها بثقل وكبرياء:
ـ “يعني هتقعدي هنا.. مش كمربية، ولا كست غريبة.. هتقعدي كأم لبنتي، لحد ما أعرف إزاي هصلح الخرابة اللي أنتِ عملتيها دي أمام العالم كله.”
يعني إيه يا ياسين بيه؟ أنت بتقول إيه؟”
​ياسين حط إيديه في جيوب بنطلونه، ووقفته كانت مليانة هيبة وسيطرة، بس عينيه كانت بتلمع بتفكير حاد. قرب منها خطوة، ونزل بجسمه لمستواها وهو بصص في عينيها مباشرة:
ـ “يعني ياسين الجارحي ما بيسمحش بوجود نقطة ضعف في حياته. البنت دي بنتي، ونسبها اتكتب خلاص.. ومحدش في البلد دي كلها هيقول إن أم بنتي كانت شغالـة عندي أو كانت مجهولة النسب والذاكرة!”
​ملك بلعت ريقها بصعوبة، ودموعها جفت على خدودها من كتر الصدمة:
ـ “بس أنا مش عايزة حاجة من ده كله! أنا مش طمعانة في اسمك ولا فلوسك.. أنا بس عايزة أفضل جنب بنتي.. أربيها وبس!”
​ابتسم ياسين بسخرية باردة، وقام وقف بطوله وهو بيبص لها من فوق:
ـ “أنتِ فاكرة إنك عندك حق الاختيار؟ أنتِ هنا في قصري، وتحت شروطي أنا. خرجوكِ من هنا معناه إن البنت هتفضل معايا وأنتِ مش هتشوفي وشها تاني.. تقبلي باللي أقوله، ولا تطلعي برة الباب ده دلوقتي وحافية؟”
​ملك ضمّت الطفلة لكتفها بقوة، وكأنها بتستمد منها القوة، وهزت رأسها بسرعة وبخوف:
ـ “لا! مش همشي.. أي شرط تقوله أنا موافقة عليه، بس ما تبعدنيش عنها.”
​ياسين هز رأسه برضا جاف، وقال بصرامة:
ـ “كويس.. من بكرة هتبدأ ترتيبات جوازنا رسمياً أمام العيلة والصحافة. هتدخلي البيت ده بصفة مراتي وأم بنتي، وهيتعمل لك وضع يليق باسم الجارحي. بس افتكري كويس…”
​قرب منها وهلمس نبرته قسوة تحذيرية:
ـ “الجواز ده صورياً.. عشان حماية البنت وشرف الاسم. أنتِ هتعيشي هنا مع بنتك، ليكي كل احترامك، بس مفيش أي حقوق تانية هتاخديها.. ولا تفتكري إن اللي حصل زمان في الفندق هيخلينا أزواج بجد.”
​ملك بصت له بانكسار، بس هزت رأسها بالقبول. ما كانش فارق معاها أي حاجة في الدنيا غير إنها تمسك إيد طفلتها كل ليلة وتنيمها في حضنها.
​مرت الأيام، واتم الزواج بعيداً عن صخب الحفلات، بس بعرف ومظاهر تناسب مكانة ياسين الجارحي. ملك اتنقلت لـ جناح خاص في القصر، وبقت تهتم ببنتها “ليلي” اللي تسمت باسم أخت ياسين المتوفية.
​الطفلة كانت بتكبر وضحكتها مالية القصر، ورفضها للمرضعات والمربيات اختفى تماماً بمجرد ما بقت أمها جنبها طول الوقت.
​أما ياسين… فكان بيعيش صراع داخلي ملوش أخر.
​كل يوم يرجع فيه للقصر، كان رجليه بياخدوه بغير إرادته ناحية جناح ملك وبنته. يبص لملك وهي بتلعب مع البنت، يلاحظ رقبتها وضحكتها الهادية، ويتفتكر الليلة القديمة اللي كانت غايبة عن وعيه. الغضب اللي كان جواه ناحيتها بدأ يدوب ويتلاشى، ويحل محله شعور غريب بالاهتمام والغيرة غير المبررة كل ما حد من الخدم يكلمها أو يقرب منها.
​في ليلة، كانت ملك واقفة في بلكونة الجناح، المطر كان نازل هادي والجو بارد.
​ياسين فتح باب الجناح ودخل، شافها واقفة بلبس ناعم وشعرها السايب بيتحرك مع الهواء. قرب منها بخطوات هادية، وحط الجاكت بتاعه على كتافها من غير ما ينطق.
​ملك اتخضت ولفت وشها بسرعة:
ـ “ياسين بيه!”
​ياسين بص في عينيها بنظرة غريبة، مش نظرة التحكم أو البرود المعتادة، كانت نظرة مليانة دفا وتساؤل:
ـ “بلاش ياسين بيه دي تاني يا ملك.. احنا خلاص مبقناش غراب.”
​ملك نزلت عينها للأرض بتوتر وسألت بصوت واطي:
ـ “حضرتك محتاج حاجة؟ ليلي نايمة جوة.”
​ياسين مسك دقنها برفق، ورفع وشها لعند عينيه، وقال بنبرة دافية لأول مرة من يوم ما عرفها:
ـ “مش محتاج ليلي.. أنا داخل أتطمن عليكي أنتي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *