حكايات ملك ابراهيم

“حكايات الكاتبة ملك إبراهيم.. الساعة كانت 2:17 بعد نص الليل.
ماجد كان لسه مخلص قيصرية لواحدة في التلاتة وتلاتين، وقلع الجوانتي ورمى نفسه على الكرسي البلاستيك اللي في أوضة الأطباء في مستشفى الجامعة بطنطا. فنجان الشاي برد على المكتب، والموبايل منور برسالة من أمه: “نام بدري يا حبيبي”.
قبل ما يرد عليها، باب الأوضة اتفتح بعنف.
الممرضة قالت بلهفة: “دكتور ماجد! حالة طوارئ جاية في الإسعاف، نزيف وطلق مبكر، في أول التاسع!”
ماجد وقف وهو لسه بيربط الماسك. دي شغلته، مفيش وقت للتعب.
ماجد سأل: “الاسم؟ السن؟”
الممرضة ردت: “ولاء السيد عبد الرحمن، 26 سنة، جاية لوحدها مع جارتها، مفيش متابعة حمل عندنا”.
دخل أوضة العمليات بسرعة، غسل إيده، لبس الجاون. الست متخدرة نصفي، وستارة خضرا مغطية وشها، وصوت جهاز نبض الجنين شغال، سريع وخايف.
ماجد قال: “مساء الخير يا مدام، أنا دكتور ماجد، متخافيش، هنخرج البيبي دلوقتي كويس إن شاء الله”.
بدأ يفحص، وسمع صوت مكتوم من ورا الستارة.
صوت عارفه، صوت كان بيسمعه كل يوم لمدة سنتين.
الصوت قال: “ماجد؟”
الدنيا وقفت.
رفع الستارة بإيد بتترعش.
ولاء، بنت عمه، ولاء.
وشها شاحب، عرقان، شعرها لازق على خدها، وعنيها اللي كانت بتحبه بتبصله وهي مليانة دموع ورعب.
آخر مرة شافها كانت من 7 شهور، يوم ما رمى عليها اليمين في شقة عمه بعد خناقة كبيرة بسبب الخلفة. قال لها: “إنتي مبتخلفيش ومش هتخلفي”. هي سكتت ومشيت. وهو سافر مؤتمر في القاهرة، ورجع لقاها لامة هدومها. طلقها غيابي. لا سأل ولا دور.
ودلوقتي هي نايمة قدامه على ترابيزة الولادة، وبطنها بتتحرك.
سبع شهور. طلقها من سبع شهور. والبيبي ده في التاسع.
الحسبة ضربت في دماغه زي صفارة إنذار، مش محتاجة دكتور عشان يحسبها.
الممرضة قالت: “دكتور؟ الضغط بيقع! 80 على 50!”
ولاء مسكت إيده اللي لابسة الجوانتي، ضوافرها غرزت فيه وقالت: “طلعه يا ماجد، أبوس إيدك طلعه، مش عايزاه يموت”.
ماجد بلع ريقه، وصوت جهاز القلب بقى هو كل حاجة سامعها في الأوضة.
بص في عينيها، وبص للممرضة وقال بصوت أخشن من اللازم: “مشرط”.
الكلمة طلعت منه ناشفة، كأنه بيحاول يفصل ماجد الدكتور عن ماجد الراجل اللي واقف متسمر قدام طليقته.
الممرضة حطت المشرط في إيده. إيده اللي ولدت مئات الستات قبل كده، أول مرة ترتعش.





