حكايات مني السيد 2

وصلنا مستشفى النيل التخصصي، دخلت الطوارئ وأنا بنهج وأصرخ باسم يوسف ويونس.

ممرضة الاستقبال جريت عليا: «أنتِ والدتهم؟». «أيوة أنا أمهم! فين ولادي؟! عايشين صح؟! قوليلي إنهم عايشين بالله عليكي!».

الدكتور خرج من أوضة الملاحظة المركزة، وشه كان باين عليه الإرهاق والغضب. قرب مني وقال بسرعة: «اهدي يا مدام الحمد لله لحقناهم في آخر لحظة.. الطفلين جالهم هبوط حاد في وظائف التنفس وهبوط سكر، نتيجة جرعة زايدة جدًا من دوا مهدئ ومضاد للهيستامين لا يتناسب نهائيًا مع سنهم الرضيع، غير إن كان عندهم جفاف لأنهم رفضوا الببرونة تمامًا وفضلوا يرجعوا.. إحنا عملنا غسيل معدة وركبنا محاليل، ودلوقتي تحت الملاحظة الدقيقة، وحالتهم بدأت تستقر، وممنوع أي خروج قبل ٤٨ ساعة».

وقعت على ركبي في طرقة المستشفى، بست الأرض وأنا بشكر ربنا وببكي بحرقة وانهيار. مفيش وجع في الدنيا يساوي رعب الأم على ضناها، ومفيش راحة تساوي كلمة “ولادك عايشين”.

دخلت شفتهم من ورا الإزاز.. يوسف ويونس، ملايكة مالهومش ذنب، الكانيولات في إيديهم الصغيرة الرقيقة، ووشوشهم دبلانة من التعب. في اللحظة دي بالذات، قلبي اللي كان ساعات بيحن أو يضعف عشان “العشرة” أو “أبو ولادي”، اتحول لحجر صوان. أحمد ونادية ماتوا بالنسبة لي تمامًا، ومش هسيب حق شقايا ولا حق ولادي اللي كانوا هيروحوا فيها هدر.

ساعتين بالظبط، وكان رئيس المباحث ومعاه وكيل النيابة واصلين المستشفى.

بدأ التحقيق في مكتب مدير المستشفى رسميًا. الدكتور كتب تقرير طبي مفصل ومختوم، بيثبت وجود نسبة عالية من مادة مهدئة سامة للرضع في دم الطفلين، وسوء تغذية وجفاف، مع إشارة واضحة لشبهة جنائية بالإهمال الجسيم وإعطاء عقاقير بدون تذكرة طبية.

لمحة نيوز
وكيل النيابة قعد قدامي، راجل شاب وشه صارم بس عينيه فيها إنصاف: «احكيلي يا مدام نرمين، من البداية خالص.. إيه اللي وصل الطفلين للحالة دي، وإيه حكاية الشقة المكسورة والتنازل؟».

حكيت كل حاجة بما يرضي الله، ما زودتش كلمة ولا نقّصت حرف. حكيت عن أخته اللي كانت مستبيحة بيتي وحرمتي، عن ترويعي في نص نومي، عن سرقة راحتي وخصوصيتي، وعن الأجهزة اللي أبويا شقيان فيها. وحكيت عن الليلة المشؤومة لما طردني بالبيجامة عشان يرضيهم، والست الجارة الأصيلة اللي سترتني بإسدالها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *