في قبضة الوحش مايا خالد

ليلى لقت نفسها مجبورة تفتح “فيديو كول”، وشافت سيف قاعد بهيبته الطاغية وعينيه بتبص لها من ورا الشاشة بتركيز مخيف. حاولت ترسم ابتسامة باهتة وهي بتمسح دموعها، بس سيف قاطعها بصوت حاد:
لا.. مش دي. اضحكي من قلبك زي ما كنتِ بتضحكي لميار.. وريني الغمازة اللي بتطلع لما بتستهبلي.
ليلى بدأت تضحك بجد بس من كتر الهستيريا والخوف، ضحكة مخلوطة بوجع، وسيف كان مراقب كل تفصيلة في وشها وكأنه بيستحوذ على روحها بالبطيء.
سيف:
شاطرة.. كدة تعجبيني. بكرة الساعة ٨ بالدقيقة، السواق هيكون تحت بيتك. عندنا حفلة مهمة، وهتكوني “خطيبتي” قدام الكل.
ليلى اتصدمت:
خطيبتك؟! أنت بتقول إيه؟ الناس هتقول عليا إيه؟
سيف قام وقف وقرب الموبايل من وشه:
الناس ميهمونيش، والكلمة اللي أقولها تتنفذ.. اجهزي يا ليلى، عشان من بكرة، مفيش “صافي يا لبن” مع أي حد يقرب منك، إنتي بقيتي تخصي سيف الحديدي.. فاهمة؟
قفل السكة في وشها وسابها وسط دوامة من الرعب، وهي مش عارفة هل هي فعلاً بقيت “تخصه” حماية ليها، ولا دي بداية نهايتها على إيده؟
اليوم التاني الساعة جت 8 بالدقيقة، ليلى كانت واقفة ورا ستارة بلكونتها وشايفة العربيتين السود واقفين تحت البيت زي الغربان. نزلت ورجليها بتخبط في بعض، كانت لابسة فستان أسود بسيط بس ملامحها الرقيقة كانت منورة وسط العتمة اللي حواليها.
ركبت العربية في صمت رهيب، والسواق مش بينطق كلمة لحد ما وصلوا قدام قصر ضخم، بس المرة دي الأنوار كانت مالية المكان وعربيات فخمة مرصوصة لآخر الشارع. الباب اتفتح، ولقت سيف واقف مستنيها.. لابس بدلة سوداء شيك جداً، وشعره متسرح لورا بصرامة، والمس.دس مش باين بس هيبته كانت كفيلة تخلي الكل يوطي راسه.
سيف قرب منها، مسك إيدها وباسها ببرود وهو عينه في عينها:
”منورة يا عروسة الحديدي.. ارفعي راسك، مش عايز حد يلمح في عينيكي ذرة خوف، النهاردة إنتي ملكة القاهرة.”
ليلى همست بصوت واطي:
”أرجوك يا سيف.. أنا مش قد اللعبة دي، الناس دي شكلها يخوف.”
سيف شد على إيدها وضغط عليها كأنه بيطمنها بطريقته الخاصة:
”طول ما إيدِك في إيدي، مفيش مخلوق يقدر يرمش قدامك.. اضحكي يا ليلى، الضحكة اللي شوفتها في الفيديو هي اللي هتهدي أعصابي النهاردة.”
دخلوا القاعة، والهمس بدأ يزيد.. “مين دي؟”، “الحديدي خطب؟”، “إزاي وقعت الوحش ده؟”. فجأة، واحد من كبار المافيا المنافسين لسيف، اسمه “عزام”، قرب منهم وبص لليلى بنظرة وقحة وقال بضحكة صفرا:
”مبروك يا حديدي.. بس مش غريبة تنقي عصفورة رقيقة كدة وسط ديابة؟ دي لو شافت نقطة دم واحدة ممكن يغمى عليها.”
سيف ملامحه اتحولت لكتلة تلج، سحب ليلى لضهر وحط إيده في جيب جاكت البدلة وقرب من عزام خطوة واحدة:
”العصفورة دي تخصني، واللي عينه تترفع عليها، هخلي دمه هو اللي يسيل تحت رجليها عشان تتعود على اللون.. تحب نجرب دلوقتي يا عزام؟”
المكان كله سكت، وعزام اتراجع خطوة لورا وهو بيبلع ريقه بخوف. سيف لف لليلى وابتسم ابتسامة خفيفة ملمستش غير عينيه:
”صافي يا لبن يا قمر؟”
ليلى لقت نفسها بتضحك غصب عنها من الموقف، والضحكة دي خلت سيف يسرح فيها لثانية وسط الحفلة، ونسي إنه الزعيم اللي الكل بيعمله حساب.
تحبي نعرف سيف هيعمل إيه لما عزام يحاول يغدر بيه ويخطف ليلى عشان يكسر عينه؟ ولا ندخل في “اعتراف” سيف بمشاعره الحقيقية؟
سيف ملامحه اتغيرت فجأة، وعينه لمعت بلمعة غريبة وهو شايف ضحكتها وسط كل الرعب ده، كأنه لقى كنز وسط خرابة. قرب من ودنها وهمس بصوت واطي ومبحوح:
”ضحكتك دي غالية أوي يا ليلى.. أغلى من كل اللي واقفين دول.”
الحفلة كانت ماشية والكل عينه عليهم، لحد ما سيف جاله تليفون خلاه يبرق وعروق إيده تظهر. شاور لواحد من رجالة ثقته وقال لليلى بلهجة مفيهاش نقاش:
”خمس دقايق وراجع، متمشيش خطوة بعيد عن الحرس.. فاهمة؟”
ليلى هزت راسها بخوف، وسيف اختفى وسط الزحمة. مفيش دقيقتين، ولقيت جرسون بيقرب منها وبيديها ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط مهزوز: “صاحبتك ميار معايا في المخزن اللي ورا القصر.. لو عايزة تنقذيها تعالي لوحدك حالا.”
ليلى قلبها وقع في رجليها، ميار؟ صاحبتها اللي كانت بتبعت لها الفيديو أصلا؟ من غير تفكير، ومن كتر الرعب على صاحبتها، استغلت إن الحرس ملتهيين في خناقة مفتعلة بعيد عنها، وتسحبت وخرجت من باب جانبي للمخزن القديم.
الدنيا كانت ضلمة كحل، وفجأة النور اتفتح.. لقت “عزام” قاعد وبيدخن، ومفيش أثر لميار!
عزام ضحك ضحكة شريرة:
”نورتي يا حلوة.. الحديدي فاكر إنه يقدر يملك كل حاجة، بس هو نسي إن نقطة ضعفه هي اللي هتكسره.”
ليلى صرخت: “فين ميار؟ أنت عايز مني إيه؟”
عزام قام وقف وقرب منها: “ميار دي كدبة عشان تيجي.. أنا عايز أحرق قلب سيف عليكي.”
لسه عزام بيمد إيده عشان يمسكها، الباب اتفجر حرفياً بصوت رصاصة هزت المكان كله. سيف كان واقف على الباب، والمس.دس في إيده بيطلع دخان، وعينه كانت عبارة عن نار قايدة.
سيف دخل بخطوات ثابتة ومرعبة، ومبصش لعزام أصلاً، عينه كانت على ليلى اللي واقعة في الأرض بتترعش. سيف قرب من عزام اللي كان بيحاول يوصل لمس.دسه، ودايس على إيده بجزمته بكل غل:
”قولتلك اللي يلمحها بعينه هسيل دمه.. فما بالك باللي يفكر يلمس شعرة منها؟”
سيف ضرب عزام بظهر المس.دس وقعه غرقان في دمه، ولف لليلى. ليلى كانت بتعيط بهستيريا: “أنا أسفة.. أنا كنت فاكرة ميار..”
سيف نزل لمستواها، وشدها لحضنه بقوة لأول مرة، حضن كان فيه تملك وخوف مكتوم، وقال بصوت هز كيانها:
”انتي مجنونة؟ كنتِ هتضيعي مني! قولتلك إنتي بقيتي تخصيني.. يعني روحك دي ملكي أنا وبس، محدش له حق يلمسها ولا حتى يخوفها غيري.”
سيف شالها بين إيديه قدام الكل وخرج بيها من المخزن، وركبها عربيته وساق بأقصى سرعة لمكان مقطوع قدام النيل. وقف العربية وبص لها بحدة ممزوجة بحنية غريبة:
”ليلى.. الفيديو اللي بعتيه بالغلط ده، مكنش غلطة.. ده كان قدري الأسود اللي رماني في طريقك عشان أعرف إني لسه عندي قلب بيخاف.”
ليلى سكتت وبصت له بذهول، وسيف كمل وهو بيقرب من وشها:
”دلوقتي بس نقدر نقول صافي يا لبن.. بس بشرط، مفيش فيديوهات تتبعت لحد تاني، ومفيش خروج من تحت طوعي.. موافقة تكوني ملك الحديدي بجد؟”
ليلى بصت له والدموع لسه متحجرة في عينيها، كانت شايفة في عينيه ميكس غريب بين الوحش اللي مستعد يهد الدنيا، والطفل اللي لقى حاجة كان فاقد الأمل فيها. سكتت لثواني، ونبضها كان مسموع في هدوء المكان المقطوع ده، وقالت بصوت مكسور:
”أنا خايفة يا سيف.. عالمك فيه دم ورصاص، وأنا آخري كنت بخاف من خناقة تافهة مع صاحبتي. إزاي عايزني أعيش وسط ديابة وأنا عصفورة زي ما عزام قال؟”
سيف مد إيده ولمس خدها ببطء، وكأن إيده اللي متعودة على المس.دس بدأت تتعلم الرقة فجأة:
”الديابة دي متهمنيش، طول ما أنا “الحديدي” محدش هيقدر يقربلك. الخوف اللي في عينيكي ده هو اللي صحاني يا ليلى.. خايفة مني ولا خايفة عليا؟”
ليلى نزلت راسها وهمست:
”خايفة منك.. وعليك.”




