مني السيد الاخير

قفلت السكة وجسمي كله بيترعش. الصدمة خلتني مش قادرة أقف على رجلي، وقعدت على أقرب كرسي والأسئلة بتلف في دماغي زي الإعصار. هل محمود فعلاً بيموت؟ هل دي عقوبة ربنا ليه على الظلم والكسرة اللي سببهملي؟
أمي دخلت عليا الأوضة وشافت وشي مخطوف ومخطط من الخوف، سألتني بلهفة: “في إيه يا آية؟ مالك يا بنتي شكلِك عامل كده ليه؟”
قلت لها بصوت يادوب مسموع: “محمود يا أمي.. عمل حادثة كبيرة على الصحراوي وهو راجع من الشغل، ووالدته بتعيط وبتقول إنه في الرعاية المركزة بين الحياة والموت.. وبيطلب يشوفني أنا والولاد.”
أمي سكتت لحظة، ونظرة الشفقة ظهرت في عينيها، وقالت لي بحكمة الست الكبيرة: “يا بنتي، يا بخت من قدر وعفا.. الراجل بين يدين ربنا ودلوقتي مفيش بينكم غير الإنسانية. روحي يا آية، وخذي أخوكي معاكي، وبلاش تاخدي العيال الرعاية المركزة عشان ميتخضوش.. روحي شوفي وقفتك دي لله، عشان ربنا يبارك لك في ولادك.”
كلمات أمي نزلت على قلبي هدتني. اتصلت بأخويا وحكيت له، ورغم إنه كان شايل من محمود جداً، إلا إنه قال لي: “الموت والمرض مفيش فيهم شماتة يا آية.. أنا جاي أخدك ونروح المستشفى فوراً.”
وصلنا المستشفى بعد ساعة، الأجواء كانت كئيبة وريحة المطهرات ماليّة المكان. أول ما وصلنا دور الرعاية، شفت والدته وأبوه قاعدين على الكراسي، مهدودين ودموعهم مش بتجف. أول ما حماتي شافتني، قامت جريت عليا وحضنتني وهي بتبكي بحرقة: “سامحيه يا آية.. سامحيه يا بنتي، الدكاترة بيقولوا إن النزيف داخلي ومفيش في إيديهم حاجة غير الدعاء.. هو غلط في حقك كتير بس ادخلي له.”
دخلت مع الدكتور بعد ما لبست اللبس المعقم. الأوضة كانت ضلمة، مفيش فيها غير صوت الأجهزة المنتظم والمخيف. خطيت خطواتي بالراحة لحد ما بقيت جنبه.
محمود كان غايب عن الوعي، وشه كله كدمات وفيه أجهزة وخراطيم في كل مكان.. الراجل اللي كان في يوم من الأيام مالي عينه بالغرور ونازل فيا اتهامات، واقف عاجز تماماً بين الحياة والموت.
قربت منه، وفجأة، وكأنه حس بوجودي، بدأ يحرك صوابع إيده بالراحة وفتح عينيه بالعافية. بصلي بنظرة كلها وجع ورجاء، وبصوت ضعيف وطالع بالعافية من تحت جهاز التنفس قال: “آية… أنتِ جيتي؟”
دموعي نزلت غصب عني، مش حب فيه، بس إنسانية ووجع على المنظر. هزيت راسي وقلت له: “يا محمود.. وحد الله واستغفر.”



