مني السيد الاخير

بعدها بأيام، محمود اتنقل لأوضة عادية بعد ما حالته استقرت تماماً. طلبت من أخويا إني أدخل أشوفه للمرة الأخيرة قبل ما نمشي.
دخلت الأوضة، كان قاعد على السرير، ساند ظهره، بس عينيه كانت مكسورة وضفاير روحه مطفية تماماً. أول ما شافني، دارى وشه الناحية التانية وبكى بنحيب: “كنت أتمنى أموت يا آية.. أموت ولا أعيش عاجز، مش قادر أتحرك ولا أروح ولا أجي.. ربنا عاقبني في صحتي اللي اتغريت بيها عليكي.”
قربت من السرير ووقفت على مسافة منه، وقلت له بنبرة صافية مفيش فيها شماتة، بس فيها حق وعدل: “أنا سامحتك يا محمود.. سامحتك لله ولأجل ولادي عشان ميبقاش في بطنهم لقمة حرام من دعوة مظلوم على أبوهم. صحتك دي قدر ربنا، بس يمكن دي الفرصة اللي ربنا مدها لك عشان تقعد وتفكر وتستغفر بجد.”
بصلي وعينيه مليانة دموع: “والولاد يا آية؟”
قلت له: “ولادك هيفضلوا يشوفوك في النادي زي ما القانون بيقول، ولما يكبروا ويفهموا، هما اللي هيقرروا علاقتهم بيك هتبقى إزاي.. أنا مش هربيهم على الكره، بس مش هكدب عليهم. ودلوقتي، أنا لازم أمشي.. عشان ورايا تلات رجالة محتاجين إني أكون قوية عشانهم.”
لفيت ظهري وخرجت من الأوضة، وحسيت وأنا بخطي برة المستشفى إن في حمل جبل انزاح من فوق كتافي.. قفلت صفحة محمود تماماً من قلبي وعقلي، وبقيت ببص لقدام، للمستقبل اللي مستنيني أنا وتامر وكريم وزياد.
لكن محمود، وهو قاعد على سريره العاجز، مكنش يعرف إن لسه في صدمة تانية وتطور جديد مستنيه من نيرمين، هتقلب اللي باقي من حياته رأس على عقب…
مرت تلات أسابيع على خروج محمود من المستشفى، واتنقل يعيش في بيت والدته عشان تقدر تخدمه بعد ما بقى قعيد على كرسي متحرك. وفي يوم، وهو قاعد في الصالة باصص للفراغ، الباب خبط.
دخلت نيرمين.. بس ما كانتش لوحدها، كان معاها راجل غريب، ولابسة فستان شيك جداً وضحكتها مسمّعة المكان. محمود أول ما شافها، افتكر إنها رجعت له ندمانة، وعينيه لمعت بدموع الرجا.. بس الصدمة الأخيرة والضربة القاضية كانت مستنياه.
نيرمين رمت على حجر محمود كارت دعوة فرح، وبصت له بمنتهى الجحود وقالت:
“أنا جيت بنفسي يا محمود عشان أديك كارت فرحي أنا وأستاذ مدحت، المدير الجديد للفرع بتاعكم.. وجيت كمان عشان أقول لك كلمتين يريحوني.. أنا عمري ما حبيتك، أنا بس كنت مستغلياك عشان تدفع لي وتجيب لي هدايا وتفسحني، ويوم ما فكرت تتبلى على مراتك الشريفة، عرفت إنك راجل ناقص ومالكش أمان، وربنا جاب لها حقها منك تالت ومتلت.. مبروك عليك الكرسي يا أستاذ محمود!”



