المحكمة
روايات مشيره محمد
الجزء الثاني والاخير
اتزلزلت قاعة المحكمة بذهول مش طبيعي. الناس كانت بتبص لبعضها مش مصدقة اللي بيحصل، أصوات المتمتمين والهمهمات علت في المكان زي خفخة جناحين طيور مرعوبة في مكان مقفول. القاضي “منصور” كسر السكوت ده بدقة واحدة حاسمة من شاكوشه الخشبي، دقة رجت الخشب وخليت القاعة كلها ترجع تتسمر مكانها.
بص القاضي للحاج “عرفة” — صاحب المحل الكبير — اللي كان واقف في الصفوف الأولى وجنبه حارس أمن المحل، ووشه أتقلب ألوان من الهيبة والصدمة. الحاج عرفة ماكانش راجل عادي في الحي، كان راجل عينيه مليانة كبرياء، لابس عباية صوف فاخرة، ومعتاد إن كلمته هي اللي تمشي، لكن المرة دي، ركبه كانت بتخبط في بعضها من هيبة الموقف.
رفع القاضي نظارته شوية على مناخيره وبص له بنظرة حادة زي المشرط:
— “سمعت اللي قلته يا حاج عرفة؟ ألف دولار غرّامة… تُدفع للولد وأمه بصفتهم تعويض عن قسوة القلوب، وتُدفع فوراً، أو المحكمة تطبق قرار الإغلاق بحذافيره.”
الحاج
عرفة بلع ريقه بالعافية، واتكلم بصوت متلجلج ومجروح من غروره:
— “بس يا سيادة القاضي… ده سرق! ده التلفيات والرف اللي اتكسر غير العيش والجبنة! أنا راجل صاحب تجارة وبحمي مالي، هو القانون بقى بيعاقب اللي بيطالب بحقه؟”
القاضي منصور مال بجسمه لُقدام، وحط إيديه الاثنين على المنصة، وعينيه لمعت بنور غريب، بص لجمهور القاعة واحد واحد، وبعدين رجع بص للحاج عرفة وقال بنبرة هادية بس تخترق الحديد:
— “القانون يا حاج عرفة ما اتعملش عشان يكون سيف في إيد الشبعان يقطع بيه رقبة الجعان! القانون اتعمل عشان يحمي العدل.. والعدل بيقول إن اللقمة لما تتقطع عن طفل أمه بتموت من الجوع، يبقى المجتمع كله مجرم. أنت بنيت تجارتك من خير الناس اللي في الحي ده، فلما يجوع فيهم طفل، يبقى خيرك ده مغشوش! تدفع الغرامة ولا الشمع الأحمر يتجهز؟”
الحاج عرفة أتهز من جواه، النبرة ماكانتش مجرد تهديد، دي كانت حكم إلهي صادر من راجل شايف الحقيقة بقلبه مش بس بالكتب. بسرعة، إيده اتمدت لجيب جلبابه
الداخلي، وطلع حزمة فلوس، وعد منها المبلغ وهو بيبص للأرض بكسرة، وحطه على ترابيزة الحاجب.
في الوقت ده، كان الحرس بيعدوا على القاعة. كل راجل وكل ست، كل محامي وكل شاهد، وحتى العساكر الواقفين على الأبواب، كل واحد طلع اللي يقدر عليه. اللي دفع دولار، واللي طلع خمسة، واللي حط كل اللي في جيبه وهو دموعه نازلة. القاعة اللي كانت من شوية مكان للخوف والمحاكمة، اتحولت لملحمة من التضامن البشري اللي يغسل القلوب.
الولد — وكان اسمه “حسن” — كان واقف في نص القاعة مش فاهم اللي بيحصل. عينيه الشاحبة كانت بتتطوح بين القاضي وبين الفلوس اللي بتتجمع على الترابيزة. كان حاسس إن جسمه النحيل مش قادر يشيله. الولد ده، اللي قضى يومه يمسح جزم وعربيات الناس عشان يرجع بقرشين يشتري بيهم لقمة، ماكانش متعود إن حد يبص له بنظرة رحمة، ماكانش متعود غير على الخبط باليد أو الشتم باللسان.


