المحكمة

​الولد — وكان اسمه “حسن” — كان واقف في نص القاعة مش فاهم اللي بيحصل. عينيه الشاحبة كانت بتتطوح بين القاضي وبين الفلوس اللي بتتجمع على الترابيزة. كان حاسس إن جسمه النحيل مش قادر يشيله. الولد ده، اللي قضى يومه يمسح جزم وعربيات الناس عشان يرجع بقرشين يشتري بيهم لقمة، ماكانش متعود إن حد يبص له بنظرة رحمة، ماكانش متعود غير على الخبط باليد أو الشتم باللسان.

​قرب منه الحاجب، ولمّ الفلوس كلها في شنطة صغيرة، وحطها قدام القاضي. القاضي منصور بص للشنطة، وبعدين أشار

لـ “حسن” عشان يقرب منه.
​حسن خطى خطوتين خايفين، رجيله السمر الصغيرين المترقيعة بنعال مقطوعة كانت بتتكتك على البلاط. وقف قدام المنصة، وراسه لسه مدلدلة.

​القاضي منصور قال بصوت دافي زي حضن أبوي:

— “ارفع راسك يا حسن… ارفع راسك يا ابني.”

​حسن رفع راسه بالعافية، دموعه كانت عاملة خطوط نضيفة وسط الهباب والتراب اللي مغطي وشه الصغير:

— “يا باشا… أنا… أنا والله مش حرامي… أنا بس أمي كانت بتاكل في الشفايف من كتر الجوع، وماكانش عندي حل ثاني… والله طلبت من الناس كلها وماحدش سأل فيّ…”

​القاضي منصور قام من على كرسيه، ولأول مرة الناس تشوف القاضي بيمشي بروب العدالة الأسود من غير ما ينتظر انتهاء الجلسة، نزل السلالم الخشبية الصغيرة بتاعة المنصة، وقف قدام حسن مباشرة. حط إيده الكبيرة الحنينة على كتف الولد النحيف وقاله:

— “أنت مش حرامي يا حسن… إحنا اللي كنا عميان. إحنا اللي شبعنا وسبناك تجوع. الفلوس دي حقك وحق أمك، مش حسنة ولا صدقة من حد. دي غرامة

دفعناها كلنا عشان تقصيرنا في حقكم.”

لمحة نيوز
​مسك القاضي شنطة الفلوس وحطها في إيد حسن الصغيرة اللي كانت بترتعش. الفلوس كانت كتيرة بالنسبة للولد، مبلغ يغير حياته وحياة أمه بالكامل.

​كمل القاضي وهو بيبص في عينين حسن:

— “الفلوس دي هتعالج بيها أمك… وهتجيب بيها الأكل اللي تحتاجه، ومن بكره… مش هتمسح عربيات ثاني يا حسن.”

​حسن اتفاجئ وبص للقاضي بذهول:

— “أمال هعمل إيه يا سيادة القاضي؟”

​القاضي منصور ابتسم ابتسامة خفيفة ظهرت فيها كل طيبة الدنيا وقاله:

— “من بكره هتروح المدرسة… أنا هتكفل بمصاريف دراستك لحد ما تتخرج، وهخصص لأمك ماهية شهرية من مكتبي عشان تعيشوا بكرامة. شرطي الوحيد عليك يا حسن… إنك ترفع راسك، وتتعلم، ولما تكبر وتبقى راجل… ما تنساش اليوم ده، وما تسيبش محتاج مظلوم من غير ما تمد له إيدك.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *