زواج مدني بقلم فاتن سليم الجزء الثاني


الفصل السابع: خسارات متتالية
لم تكن فاطمة تتخيل أن الإنسان يمكن أن يشعر بالغربة داخل بيته.
كانت تظن أن الغربة هي البعد عن الوطن فقط.
لكنها اكتشفت أن هناك غربة أشد قسوة.
أن تعيش وسط من تحبهم…
وتشعر أنهم يبتعدون عنك يومًا بعد يوم.
بعد المواجهة الأخيرة بينها وبين يوسف، أصبح الصمت سيد البيت.
لم تعد الأحاديث الطويلة تجمعهما كما كانت في الماضي.
ولم يعد يوسف يحاول الاقتراب منها كما كان يفعل دائمًا.
كل واحد منهما أصبح يعيش في عالم منفصل.
تحت سقف واحد.
لكن بقلبين متباعدين.
أما عمر فقد أصبح شابًا في السابعة عشرة من عمره.
له أصدقاؤه وحياته الخاصة.
وكان تأثير والده عليه يزداد عامًا بعد عام.
وفي إحدى الأمسيات، حاولت فاطمة أن تفتح معه حديثًا.
قالت:
ـ وحشتني قعدتنا يا عمر.
ابتسم مجاملة.
ـ معلش يا ماما… الدراسة واخدة وقتي.
ـ الدراسة بس؟
نظر إلى هاتفه.
ـ يعني وأصحابي كمان.
شعرت أن المسافة بينهما تكبر.
ليس بسبب الدراسة.
بل بسبب شيء أعمق من ذلك بكثير.
أما مريم فقد أصبحت أقرب إلى والدها من أي وقت مضى.
كانت تستشيره في كل شيء.
وتشاركه أسرارها.
وفي كثير من الأحيان كانت تتجاهل حديث أمها دون قصد.
وكان ذلك يؤلم فاطمة أكثر مما تعترف به.
وفي ليلة باردة من ليالي الشتاء، جلست الأسرة حول مائدة العشاء.
وكان الحديث يدور عن خطط المستقبل.
فجأة قال عمر:
ـ بعد ما أخلص الجامعة هسافر أكمل حياتي هنا.
ابتسم يوسف بفخر.
أما فاطمة فسألته:
ـ ومصر؟
هز كتفيه.
ـ ماليش فيها حاجة.
تجمدت في مكانها.
ـ إزاي؟
ـ أنا عمري ما عشت فيها.
ـ دي بلدك.
ـ لا يا ماما… بلدك إنتِ.
شعرت وكأن سكي..نًا انغرس في قلبها.
لم يكن يقصد إيذاءها.
لكنه فعل.
في تلك الليلة دخلت غرفتها وأغلقت الباب.
ثم فتحت درجًا قديمًا كانت تخفي فيه صور عائلتها.
صورة أبيها.
صورة أمها.
صورة البيت القديم.
أخذت تتأملها واحدة تلو الأخرى.
ثم انفجرت بالبكاء.
سنوات طويلة مرت.
لم ترَ خلالها والدها.
ولم تسمع صوت أمها إلا مرات قليلة.
كل شيء ضاع.
وكأن حياتها السابقة كانت حلمًا بعيدًا.
وفي صباح اليوم التالي تلقت اتصالًا من إحدى قريباتها في مصر.
وبعد حديث قصير قالت لها المرأة بصوت حزين:
ـ البقاء لله يا فاطمة.
تجمد الدم في عروقها.
ـ مين؟
ـ والدك.
رحل الفجر.
سقط الهاتف من يدها.
وشعرت أن العالم كله يدور حولها.
جلست على الأرض تبكي بحرقة.
كانت تعرف أن هذا اليوم سيأتي.
لكنها لم تكن مستعدة له.
رحل أبوها…
قبل أن ترى عينيه مرة أخرى.
قبل أن تطلب منه السماح.
قبل أن تخبره كم كانت تشتاق إليه.
وعندما عاد يوسف من العمل وأخبرته بما حدث، حاول مواساتها.
لكنها نظرت إليه بعينين مليئتين بالألم وقالت:
ـ أبويا مات وهو زعلان مني.
لم يجد ردًا.
لأن بعض الجراح لا تداويها الكلمات.
سافرت فاطمة إلى مصر لحضور العزاء.
وبعد غياب طويل عادت إلى الشارع الذي نشأت فيه.
رأت البيت القديم.
ورأت الجيران الذين عرفوها طفلة.
ورأت أمها التي شاب شعرها من الحزن والسنين.
وعندما احتضنتها الأم، انهارت الاثنتان بالبكاء.
بكاء سنوات كاملة.
بعد انتهاء العزاء عادت إلى أوروبا.
لكنها لم تعد المرأة نفسها.
شيء ما انكسر داخلها.
شيء لن يعود كما كان أبدًا.
وعندما دخلت بيتها، نظرت حولها.
إلى يوسف.
إلى عمر.
إلى مريم.
ثم شعرت بغصة مؤلمة.
فهذا البيت الذي ضحت بكل شيء من أجله…
لم يعد يشعرها بالانتماء.
وفي تلك الليلة وقفت أمام النافذة تنظر إلى السماء.
وقالت بصوت خافت:
ـ يا رب… ماذا بقي لي؟
كانت تشعر أنها تخسر كل شيء بالتدريج.
أهلها.
وطنها.
زوجها.
وأبناءها.
لكنها لم تكن تعلم أن الأيام القادمة ستمنحها فرصة أخيرة…
إما لإنقاذ ما تبقى من أسرتها.
أو لخسارة أكبر مما تتخيل.
نهاية الفصل السابع