رجعت بيتي

رجعت بيتي بعد 5 أيام، لقيت جوزي وعيلته عاملين ليا لائحة تشغيل كأني خدامة عندهم… سبتهم يخلصوا كلامهم، وبعدها قلت جملة واحدة قلبت حياتهم كلها.
بدأ الموضوع كله بمكالمة تليفون وحدة يوم الأربع بالليل.
كنت واقفة في مطبخ شقتنا الصغيرة المكونة من غرفة وصالة في فيصل، بخرط بصل عشان أعمل صينية بطاطس، لما طارق غطى سماعة التليفون بكف إيده وبصلي بالوش المذنب اللي بقيت أكرهه عمى.
فريدة… دي أمي، عايزين يجوا يقعدوا معانا كام يوم.
وقفت السكينة في إيدي.
مين هما اللي عايزين يجوا؟
بص الناحية التانية وهو مكسوف
أمي وأبويا.. وعمتي فاتن وجوزها.. وأختي ندى وعيالها.
طفيت البوتاجاز بالراحة وقلتله
إمتى؟
يوم الجمعة.
ولحد إمتى؟
أسبوع.. يمكن أكتر شوية.
أسبوع!
في قاموس عيلة طارق، كلمة أسبوع دي يعني تلات أسابيع كاملة.
وكلمة كام يوم معناها إن مطبخي هيتحول لمائدة رحمن لسبع تنفار مابيدفعوش مليم واحد في البقالة أو المصاريف.
ده معناه فطار الساعة 630 الصبح.
شاي ومشاريب كل ساعتين.
غدا بتلات طبخات ومستريحات عشان أمه مابتستحملش أكل برة وبيتعب لها معدتها.
عشا متقفل ومتوضب قبل الساعة تسعة عشان أبوه عنده حموضة.
وطفلين عايزين بيتزا النهاردة، وحواوشي بكرة، وفراخ مشوية بعده.
طارق، قلتله وأنا بحاول أحافظ على هدوء صوتي، احنا عايشين في شقة أوضة وصالة!
هنتصرف زي المرة اللي فاتت يا فريدة،
مش حوار يعني.
المرة اللي فاتت!
أهله خدوا سريرنا وأوضتنا.
عمتو وجوزها ناموا على الكنبة في الصالة.
ندى وعيالها ناموا على مرتبة في الأرض.
وأنا وطارق نمنا على مرتبة سفنج رفيعة ومخرومة جمب باب البلكونة.
فضلت تعبانة وضهري متدمر أسبوعين بعدها.
كل تحويشتي طارت على اللبن، الخضار، السناكس، شحن الغاز، العصاير، البسكوت، الأدوية، وحاجة حلوة لازم تتعمل كل يوم بالليل.
ومحدش فيهم شارك بجنيه!
محدش حتى كلف نفسه يغسل الكوباية اللي شرب فيها.
والأكل والمصاريف؟ سألته، مين اللي هيدفع تمن الطلبات دي كلها؟
هرش طارق في قفاه وقال
دول أهلي يا بنتي، عيب وعملة سودة في حقي لو طلبت منهم فلوس.. الموضوع محرج.
مُحرج!
مكنش محرج بالنسبالهم هما إنهم يجوا بتلات شنط سفر ومفيش في وشهم نقطة دم ولا ذرة كسوف.
بس طلب الفلوس هو اللي كان محرج!
يوم الجمعة، وصلوا كأنهم زفة فرح بس من غير نقطة ولا هدايا.
تلات شنط سفر كبار من بتاعة المطارات.
شنطتين مدارس للعيال.
وحتى حلة ضغط جايبينها معاهم عشان حلتك بتصفر جامد وبتعصبنا.
مفيش كيس رز واحد في إيديهم.
مفيش علبة حلويات شرقية حتى.
ولا حتى كلمة شكراً.
حماتي، الحجة سعاد، دخلت على المطبخ علطول من غير مقدمات، فتحت التلاجة واتنهدت بحسرة
طارق قالي إنكم ماشيين كويس ومرتاحين ماديًا.. أمال التلاجة ناشفة وفاضية كدة ليه يا بنتي؟
كنت واقفة وراها وأكياس الخضار والطلبات معلمة في صوابعي ومقطعاها.
كنت لسه دافعة حوالي 4800 جنيه عشان الويكند ده بس!
قلتلها مكانتش عارفة هتوصلوا الساعة كام بالظبط يا طنط، فجبت بس طلبات العشا للنهاردة.
عمتي فاتن شمت ريحة الجو وقالت
إيه ريحة الكمكمة اللي في الحمام دي؟
قلتلها كان في تسريب في السباكة الأسبوع اللي فات وبنصلحه.
ندى رمت شنطتها على كرسي السفرة بتاعي وقالت
فريدة، العيال يشحنوا التابلت فين؟ واعمليلهم حاجة ياكلوها بسرعة، مابيطيقوش الأكل الحراق.
من فضلك.. الكلمة دي في بوق ناس معينة بتطلع كأنها أمر عسكري مش طلب.
طارق كان مشغول بيبوس إيد أمه وأبوه، ويشيل الشنط ويضحك ويهزر ويسأل عن السفر.. ومبصش ولا بصّة واحدة للست اللي شايلة البيت كله على ضهرها من أول دقيقة.
لمدة تلات أيام، استحملت وضغطت على نفسي.
أصحى الساعة 615 الصبح.
أعمل شاي، بعدين فول وطعمية وجبنة، بعدين فطير مشلتت، بعدين بيض مسلوق مخصوص عشان العيال رفضوا الفطار العادي.
بعدين مخلل وسلطات زيادة عشان عمتو قالت إن أكلي دلع ومافيهوش ملوحة.
بعدين أدخل في معمعة الغدا.
بعدين شاي العصر ومشاريب المغرب.
بعدين العشا وتوضيبه.
ندى كانت مأنتخة على الكنبة طول اليوم بتقلب في فيديوهات التيك توك والريلز
فريدة، العصير خلص من التلاجة.
مش هنزل اشتري، مش أحولك فلوس نجيب؟.. لأ، العصير خلص، كأن عمودي الفقري هو اللي بيفرز عصير!
ابنها زين ساب بصمات شوكولاتة سايحة على حيطة الصالة اللي لسه دهنينها.
وبنتها جودي دلقت عصير قصب على ملاية سريري.
عمتي فاتن استخدمت فوطتي الشخصية بتاعت الوش.
جوزها ساب بقع رماد سجاير وبصق في حوض الحمام.
الحجة سعاد دخلت المطبخ ورتبت برطمانات التوابل على ذوقها وقالت كدة بقا.. كدة شكل مطبخ ست بيت متجوزة بجد.
على الليلة الرابعة، كنت واقفة قدام الحوض بغسل حلة دهنانة ومدهولة، وبأعيط في صمت تام.
مش عشان أنا ضعيفة.. عشان حسيت إني بقيت مش شايفة، ماليش وجود، مجرد آلة.
في الشغل، مشروعي كان بيقع والضغط رهيب.
مواعيد تسليم، اتصالات وضغط من العملاء، ومدير فاكر إن كلمة عاجل دي هي طريقة التعبير عن الحب.
رجعت البيت قرب الساعة تمانية بالليل بعد عشر ساعات كاملة في المكتب وساعتين في زحمة وقرف المواصلات والتراب.
رجلي كانت بتوجعني بطريقة مش طبيعية، دماغي بتنمل من الصداع، وطرحتي ريحتها عادم أتوبيسات ومطر مبهدل.
أول حاجة الحجة سعاد قالتها لما شافتني داخلة من الباب
فريدة، فين العشا؟ احنا جعانين قوي ومستنيينك.
بصيت لها..
بعدين بصيت لطارق، اللي قاعد ومقضيها فاتح اللاب توب بتاعه.
بعدين لندى الممددة على الكنبة بالموبايل.
بعدين لعمتي فاتن بتتفرج على المسلسل وصوت التلفزيون عالي ومزعج.
محدش طبخ.
محدش طلب دِليفري.
محدش حتى كلف نفسه يخرط بصلة أو يسلق بيضة!
سبع تنفار كبار وعيال مستنيين ست جاية ميتة من التعب تدخل من الباب عشان تتحول لخدامة وتأكلهم.
سألت طارق أنت في البيت من
لمحة نيوز





