جبل الراوي ج٣
الفصل الثالث
الكاتبة ملك إبراهيم
“الحقنا يا كبير.. الحاجة واقعة!”
الجملة لسه ما خلصتش من بوق سعاد، وكان جبل نزل السلم نط في تلات خطوات.
أنا نزلت وراه جري.
الحاجة صفية واقعة على الأرض، ماسكة صدرها ووشها أزرق وبتحاول تاخد نفسها. النسوان حواليها بتصوت وتلطم.
جبل زعق زعقة واحدة خلت البيت كله يسكت:
“بس! ولا واحدة تصوت! اللي هتصوت هكسر دماغها!”
الكل سكت كأنه داس على زرار. شال أمه على دراعه كأنها عيلة صغيرة، مع إنها ست مليانة، وشالها وطالع بيها. وبصلي أنا اللي واقفة متخشبة:
“هاتي طرحتك وتعالي ورايا.”
ملحقتش أفكر، لفيت طرحة بسرعة وجريت وراه. العربية الجيب الكبيرة كانت دايرة قدام الباب كأنها مستنياه على طول. هو ليه هيبته كده؟ حتى العربية بتحس بيه.
ساق
هو بنفسه. أنا قعدت ورا وأمه جنبي. طول الطريق وهو سايق زي المجنون في مدقات النجع، بس إيده ماسكة الدركسيون بحديد، وعينه في المراية كل ثانية يبص على أمه وعليا.
أمه كانت بتهلوس: “عاطف.. ولدي عاطف..”
جبل سمعها، وشه بقى حجر تاني، بس قال بصوت واطي:
“يا اما احنا معاكي.. عاطف في الجنة يا اما.. اجمدي عشان خاطر ولدك الكبير.”
وصلنا مستشفى المركز. أول ما دخل شايل أمه، الممرضين والدكاترة كلهم جريوا عليه.
دكتور صغير قال بتوتر: “يا كبير لازم تدخل عناية و…”
جبل قاطعه: “ما تقولش لازم ايه.. اعمل اللي لازم.. دي أمي.. لو حصلها حاجة المستشفى دي هقفلها بطوبها.”
قالها ببرود، مش بزعيق، وده اللي يخوف أكتر. الدكتور دخلها جري.
فضلنا واقفين في الطرقة. أنا واقفة بعيد. هو واقف ساند
ضهره على الحيطة، مربع إيديه، بس شايفة إيده بتترعش. جبل الراوي اللي الكل بيعمله ألف حساب.. بيترعش على أمه.
قربت منه من غير ما أفكر، لمست كتفه:
“هتبقى كويسة.. والله هتبقى كويسة.. الحاجة صفية قوية.”
بصلي، عينه كانت حمرا بس مفيش دمعة نازلة. قال:
“أنا لو أمي جرالها حاجة.. أنا هقع يا قمر.. أنا واقف على رجل واحدة من ساعة ما عاطف أخويا مات.. وهي الرجل التانية.”
أول مرة يتكلم معايا كده. أول مرة يقول اسمي من غير لقب.. قمر.
قلتله: “أنت مش هتقع.. انت جبل.. حتى الجبل لما بيميل بيسند على اللي حواليه.. وأنا حواليك.”
سكت وبصلي نظرة طويلة خلتني أتكسف وأبص في الأرض.
بعد شوية ، الدكتور طلع وقال أزمة قلبية خفيفة من الزعل والضغط، ولازم راحة ومتزعلش.


