الشغاله

لقى الشغالة بتعلم بنته الكفيفة القتال… لكن ماضيها اللي كانت مخبياه خلاه يشك في كل الأسوار اللي بناها حوالين قلبه.
أول حاجة شافها سليم الجارحي كانت بنته الكفيفة ندى وهي رافعة عصاية خشب، وبتصد ضربة كان المفروض توقعها على الأرض.
وتاني حاجة شافها…
كانت الشغالة اللي بتهاجمها.
كانت مريم واقفة حافية على أرضية بدروم الفيلا. شعرها الأسود مربوط لورا، وعينيها الرمادي مليانين تركيز وبرود. لابسة فستان شغالة أسود بسيط، والياقة مبلولة من العرق.
في التمن شهور اللي اشتغلت في بيت سليم، كانت هادية لدرجة إن وجودها كان شبه مش باين. تنظف الرخام، تطبق الملايات، تقدم القهوة، وتختفي قبل ما أي ضيف يلاحظ إنها موجودة.
لكن دلوقتي…
كانت بتلف حوالين ندى، اللي عندها اتناشر سنة، زي مدربة مستعدة تختبر تلميذتها.
قالت مريم بهدوء
مرة كمان.
رفعت ندى دقنها.
عينيها اللي فقدت البصر كانت باصة في الفراغ.
العصاية نزلت بسرعة ناحية كتفها.
لكن ندى اتحركت ناحية الضربة… مش بعيد عنها.
اصطدم الخشب بالخشب بقوة، والصوت دوّى في البدروم زي طلقة.
سليم وقف مكانه.
حس إن نفسه اتقطع.
كل حاجة حواليه سكتت.
مراتب التدريب.
الكاميرا اللي في الركن.
وش بنته المحمر من المجهود.
وإيدين مريم الثابتين.
وفجأة فتح الباب بعنف.
لفت ندى ناحية الصوت.
بابا؟
صوتها كان لاهث… لكنه مليان فرحة وفخر.
وده خلاه يتعصب أكتر.
قال بصوت هادي يخوف
إيه اللي بيحصل هنا؟
مكانش محتاج يزعق.
رجالة كانت بترتجف من النبرة دي.
وأعداؤه كانوا بيفضّلوا فاكرينها طول عمرهم.
اختفت ابتسامة ندى.
أما مريم…
فنزلت العصاية، لكنها ما رجعتش خطوة.
لاحظ سليم ده.
هو أصلًا كان بياخد باله من أي تفصيلة تخص بنته.
قال وهو باصص لمريم
أنا سألت سؤال… بتعملي إيه مع بنتي؟
ردت بمنتهى الهدوء
بعلمها.
بتعلميها تتعور؟
بعلمها ما تفضلش واقفة لما الخطر ييجي.
الكلام نزل عليه تقيل.
مشي ناحيتها في تلات خطوات.
راجل طويل، عريض، لابس أسود، وسكوته أخطر من غضب أي حد.
لكن مريم فضلت باصة في عينيه.
ندى مسكت العصاية بإيديها أكتر.
قالت مريم
هي اللي طلبت مني.
بصلها سليم.
اطلعي فوق.
قالت ندى بهدوء
لأ.
اتصدم.
ندى.
قلت لأ.
كان وشها أحمر من التعب، وعلى رسغها كدمة صغيرة من التدريب.
أول ما شافها…
حس إن قلبه اسود.
قال
إنتِ كفيفة… مينفعش تمسكي سلاح.
ندى اتوجعت من كلامه.
ومريم قالت بهدوء
آه… هي كفيفة.
بس مش عاجزة.
بصلها سليم بغضب.
إنتِ مالكيش حق تقوليلي بنتي إيه.
قالت
لكن أقدر أقولك هي بقت إيه.
اترعشت شفايف ندى وهي بتحبس دموعها.
وساعتها فهم سليم إن اللي خوّفها مكانش التدريب…
كان دخوله.
قال بهدوء
اطلعي فوق.
وقعت العصاية من إيديها.
وقالت بصوت مكسور
إنت بنيت البيت ده كله عشان تحميني.
بس يا بابا… أنا عايشة في الدنيا دي سواء وافقت ولا لأ.
حس بضيق في صدره.
ندى…
قاطعته.
إنت بتعاملني كأني إزاز.
بس الإزاز… ممكن يجرح.
وسابته وطلعت السلم لوحدها.
ولا مرة اتعترت.
بعد ما الباب اتقفل…
لف سليم لمريم.
إنتِ مرفودة.
ردت
لأ.
ضحك بسخرية.
لأ؟
قالت
تقدر تطردني.
لكن مستحيل تمسح اللي حصل النهارده.
بنتك لأول مرة حست إنها قوية… وعمرها ما هتنسى الإحساس ده.
شد فكه.
إنتِ عارفة أنا مين.
وبرضه وقفتي بيني وبين بنتي.
قالت
وقفت علشانها… مش ضدك.
رد بغضب
مفيش فرق.
قالت
فيه فرق كبير بين الحماية… والتملك.
ساد صمت تقيل.
قرب منها.
كانت ريحتها صابون ومطر.
ومفيهاش ذرة خوف.
وده أكتر حاجة ضايقته.
قال
إنتِ شايفة إني بتملك بنتي؟
قالت
أنا شايفة إنك بتحبها…
وسكتت لحظة.
…زي أوضة مقفولة بالمفتاح.
اتغيرت ملامحه.
قالت
أعداؤك عارفين نقطة ضعفك.
مش فلوسك.
ولا شركتك.
ولا رجالتك.
ندى.
قبض إيده.
اختاري كلامك كويس.
قالت
أنا دايمًا بختاره.
بصلها لأول مرة بتركيز.
شاف الندبة اللي في رسغها.
والتانية اللي جنب رقبتها.
وطريقة وقفتها.
ونَفَسها اللي متغيرش رغم غضبه.
دي ست عرفت الخطر…
وعاشت معاه.
سألها
إنتِ مين؟
اتغيرت نظرتها لحظة.
يمكن وجع…
يمكن ذكرى.
قالت
ولا حد.
رد
ولا حد مايعرفش يعلم طفلة كفيفة تتحرك من صوت النفس.
بلعت ريقها.
لكن قبل ما يكمل…
باب البدروم صوّت.
ندى كانت واقفة بتسمع.
قالت مريم
هي سمعت الحراس وهم بيقولوا إنها نقطة ضعفك.
ثبت مكانه.
هاتِ أساميهم.
قالت
حتى لو عاقبتهم… مش هتغير اللي مقتنعين بيه.
وهو إيه؟
إنها ضعيفة… لأنك إنت اللي خليتهم يعاملوها كده.
الكلام وجعه.
لأنه كان عارف إنه صح.
طول السنين اللي فاتت كان بيحاوط بنته بالكاميرات، والحراس، والأبواب المقفولة.
وكان فاكر إن ده حب.
لكن لأول مرة سأل نفسه…
هو الحب ممكن يبقى سجن؟
قال بصوت واطي
هي كل اللي عندي.
قالت مريم
هي مش كل اللي عندك.
هي الشخص اللي طول عمرك خايف تخسره.
حس بحاجة غريبة جواه.
اشتياق.
لمراته اللي ماتت.
وللبنت اللي كبرت بسرعة.
وللست اللي واقفة قدامه ووراها أسرار كتير.
قال
سيبي البيت.
هزت راسها.
وعند أول السلم وقفت.
وقالت
بنتك أقوى بكتير مما تتخيل.
السؤال… إنت عندك الشجاعة تسيبها تثبتلك ده؟
ومشيت.
فضل سليم واقف لوحده.
بيبص للعصاية اللي وقعتها ندى.
لسه دافية من إيديها.
وساعتها فهم حاجة هزته.
هو ما غضبش لأنها عرضت بنته للخطر.
هو غضب…
لأنها ورّته إن بنته مبقتش محتاجاه بالطريقة اللي كان متخيلها.
ولحد نص الليل…
سليم ما عرفش ينام.
المطر بينزل على شباك مكتبه.
وصورة ندى وهي عندها سبع سنين قدامه.
كانت بتضحك وهي حاسة بدفا الشمس… رغم إنها عمرها ما شافتها.
الباب اتفتح من غير خبطة.
دخل عادل الجارحي.
الراجل الوحيد اللي يقدر يدخل بالشكل ده ويخرج سليم سايبه عايش.
قال سليم
عرفت اللي حصل.
رد عادل
كل الخدم عرفوا… ونص رجال الأمن كمان.
بصله سليم.
إنت كنت عارف.
اتأخر عادل في الرد.
آه… من تلات أسابيع.
قام سليم بعصبية.
تلات أسابيع؟!
آه.
واتفرجت؟
قال عادل
اتفرجت على بنتك تقع ست مرات… وتقف سبعة.
فضل سليم ساكت.
قال عادل بهدوء
وشفتها… سعيدة.
الكلمة هزته.
بص من الشباك.
في مكان فوق…
ندى بتحاول تنام.
وفي أوضة الخدم. ..
مريم كانت بتلم هدومها في شنطة صغيرة.
وفكرة إنها تمشي…
ضايقته بشكل غريب.
سأل
إيه اللي تعرفه عنها؟
قال عادل
في كلام قديم.
أنا مش بدفعلك عشان الإشاعات.
ابتسم.
لأ… إنت بتدفعلي عشان أعرف الحقيقة.
طلع ملف قديم.
وحط صورة قدامه.
بنت صغيرة واقفة في حلبة قتال سرية.
في دم على بقها.
ورافعة إيديها بعد الفوز.
قال عادل
كانوا بيسموها…
الذئبة البيضاء.
شهق سليم وهو باصص للصورة.
كان سمع الاسم قبل كده.
مقاتلة أسطورية اختفت فجأة بعد فضيحة كبيرة محدش كان بيجرؤ يتكلم عنها.
همس
بطولة أبويا…
هز عادل راسه.
ولأول مرة الليلة دي…
غضب سليم بقى موجه لحاجة تانية.
للماضي.
ولنفسه.
وللحقيقة…
اللي كانت مستنياه ورا الباب.
الملف القديم كان ورق مصفر، حوافه مهترئة من كتر ما اتقرأ واتخبى، والصورة اللي في أوله كانت واضحة زي لو اتاخدت امبارح. سليم مسك الصورة بإيد مرتعش، بص للبنت الصغيرة اللي في سن الستاشر، شعرها الأسود مربوط لورا، وعليها قميص قتال ممزق ومبلول بالعرق والدم، وعينيها الرمادي اللي كان بيلمع في الصورة زي ما هو لسه بيلمع في عيني مريم دلوقتي.
قال بصوت مكسور الذئبة البيضاء… دي كانت من أشرس المقاتلات اللي ظهرت في البطولات السرية اللي كان بيديرها عمي قبل ما يموت؟
عادل هز راسه ببطء أيوه. محدش كان يعرف اسمها الحقيقي، ولا من فين جات. كانت بتدخل الحلبة، بتضرب خصومها مهما كانوا أقوى منها، وتاخد الجايزة وتختفي. لحد ما جت الليلة اللي اتعرفت فيها الحقيقة… واتهمت بقتل خصمها غدرًا.
سليم رجع خطوة لورا، وراح قعد على الكرسي الكبير، الصورة لسه في إيده والقصة دي كانت من عشر سنين؟
أكتر من عشر. بعد الحادثة دي اختفت تمامًا. محدش شافها، ولا عرف لها مكان. واللي كانوا بيدوروا عليها قالوا إنها ماتت، وإن جثتها رميت في الصحرا.
سليم بصل للصورة، وبعدين بص للباب اللي مريم طلعت منه من شوية ماتت؟ والست اللي في البيت دي إيه؟ شبح؟
عادل سكت شوية، وبعدين كمل بجدية الادعاء إنها قتلت غدرًا كان كذب. الحقيقة اللي وصلت لي إن الخصم بتاعها كان مدسوس عليه مخدر، وإن اللي قتله كان نفس الراجل اللي بيدير البطولات، عشان يخلص منها وياخد فلوس الجايزة كلها. واتضح كمان إنها كانت بنت ل…
سليم قاطعه بسرعة، قلبه دق بقوة لبنت من؟
لبنت رجلك اللي كان أمين
لمحة نيوز




