الشغاله

يطاردهم
تاني يوم، سافروا بسيارة سليم الكبيرة، عادل يسوق، وسليم جنبه، ومريم وندى في الكرسي ورا. الطريق كان طويل، والدنيا بدأت تتغير من مباني القاهرة لسهول خضراء، وبعدين لجبال رملية ووديان في الفيوم. طول الطريق، كانت مريم تحكي لندى عن الأماكن اللي بتمشوا عليها، وتشرحلها الأصوات والريحة، عشان تتخيل المكان زي ما هو.
بعد ما وصلوا لآخر طريق معبد، نزلوا ومشوا على الأقدام ناحية وادٍ ضيق بين الجبال. الشمس كانت قوية، والريحة مليانة ريحة الطين والشجر البري. بعد ساعة مشي، وصلوا لفتحة صغيرة في الجبل، كانت مخبية ورا شجيرات كتير.
قالت مريم هنا. المكان ده أول مرة جيت له مع أبويا لما كنت عندي اتناشر سنة. كان بيقولي لو حصل له أي حاجة، أروح هنا وأفتح الصندوق.
دخلوا الكهف الصغير، كان نظيف، ومش فيه حشرات ولا حيوانات، وبداية الكهف مضيء شوية بضوء الشمس اللي بيدخل من فتحات صغيرة فوق. في نهاية الكهف، كان صندوق خشبي قديم، محفوظ جيدًا، ومقفول بقفل حديدي صغير.
مريم طلعت مفتاح صغير من سلسلة كانت لابساها في رقبتها، وفتحت الصندوق. جواه كان أوراق كتير، وتسجيلات على أشرطة قديمة وأسطوانات حديثة، وصور ومستندات مختومة. سليم أخذ ورقة ورقة، وقرأ فيها، وكل ورقة كانت تثبت كلام مريم، وتثبت إن كمال المنياوي كان وراء كل الجرائم، وإن عبد الرحمن كان بريء تمامًا.
وفجأة سمعوا صوت خطوات كتير جاية من برة الكهف، وصوت كمال المنياوي بيصيح شكرًا يا سليم، تعبت نفسك وجيت تجيبلي الأوراق لحد هنا.
لفوا كلهم ناحية فتحة الكهف،

لقوا كمال واقف ومعاه أكتر من عشرين راجل، كلهم مسلحين، وبيحيطوا بالكهف من كل الجهات. سليم وقف قدام ندى ومريم، وعادل وقف جنبه، وشد سلاحه كيف عرفتوا إننا جايين هنا؟ محدش يعرف بالخبر غير الأربعة اللي معايا.
كمال ضحك بشر محدش يعرف؟ ولا حتى اللي بيثق فيه أكتر من نفسه؟ يا سليم يا سليم، طول عمرك بتثق في الناس غلط. عادل ما كانش وحيد، هو عنده اخوه الصغير، واللي هو معايا من سنين.
عادل اتفتحت عينيه من الصدمة مستحيل! اخي ما يعرفش أي حاجة عن شغلي، ولا عن أي حاجة تخص سليم بك.
أهو قالك كده. بس الحقيقة إنه كان بيسمع كل مكالماتك، وكل ما تقوله لسليم، وبيبلغني بكل حاجة. لما شفتك بتجهز للطريق للفيوم، عرفت إنكم جايين هنا.
مريم قالت بصوت هادي أنت مش هتاخد الأوراق، ومش هتخرج من هنا سالم.
وأنتِ فاكرة إنكِ الذئبة البيضاء اللي بتخوفني؟ ده زمان يا بنت عبد الرحمن، ده زمان. دلوقتي أنا اللي في يدي كل القوة.
وأشار لرجالته امسكوا البنتين، واخدوا الصندوق، واقتلوا الرجالة.
بدأت المعركة، رصاص طلع في كل مكان، صوته يدوّي في الكهف، والغبار مالي المكان. عادل كان بيقاتل بكل قوته، وسليم كان بيحمي ندى ومريم، لكن العدد كان أكتر منهم بكتير. لحد ما سمعت ندى صوت واحد من الرجال جاي من وراها، فرفعت العصاية الخشبية اللي كانت ماسكة إياها، وضربته في رجله بقوة، فوقع على الأرض ومسك رجله بصرخة.
كمال لما شاف ده، اتعصب أكتر، وقرر يقرب بنفسه، ومسك ندى من دراعها عشان ياخدها رهينة سلم الصندوق يا سليم، أو بنتك هتكون أول الضحايا.
سليم كان مستسلم، عايز يسلم الصندوق عشان يخليه يسيب ندى، لكن مريم نطت بسرعة، وضربت كمال في إيده اللي كان ماسك فيها ندى، وخلته يفلت منها، وبدأت تضربه بمهارة، نفس المهارة اللي كانت بتعلمها لندى. هي كانت تعرف كل حركاته، كل نقاط ضعفه، لأنها كانت شافت كتير من أمثاله في الحلبات القديمة.
في نفس الوقت، رجال كمال بدأوا يتراجعوا، لما سمعوا أصوات سيارات الشرطة جاية من بعيد، وصفارات الإنذار بتقرب. كمال شاف ده، عرف إن الخدعة اتكشفت، فحاول يهرب، لكن سليم وعادل قبضوا عليه قبل ما يطلع من الكهف.
بعد شوية، دخل ضباط الشرطة، ومعاهم اخو عادل اللي كان معاهم، واعترف بكل حاجة، واعترف إنه هو اللي بلغ كمال بالطريق. قائد القوة قال لسليم وصلتنا بلاغات من شهود، وجبنا كل الأدلة، وهناخد كل المتهمين معانا.
لما هدأت الأمور، سليم شاف ندى قاعدة في مكان هادي، ومريم جنبها، راح ناحيتهم وقعد أنتما كويسين؟
قالت ندى بابتسامة أنا كويسة يا بابا. وانت شفت إنني أقدر أدافع عن نفسي صح؟
شفت يا روحي، وشفت إنك أقوى من أي حاجة تخيلتها.
مريم قالت كنت متأكدة إنك هتتصرف صح، وإنك هتجيب الحق لصاحبه.
الفصل الرابع الحق اللي رجع والحياة اللي بدأت
بعد أسبوع، كانت الجلسة الأولى لمحاكمة كمال المنياوي وكل اللي شاركوه في جرائمه. الأدلة كانت قوية جدًا، والشهادات واضحة، فحكم عليهم بالسجن مدى الحياة، واعترف رسميًا ببراءة عبد الرحمن، ورد اسمه للسجل الرسمي كواحد من أخلص الموظفين اللي خدموا البلد.
يوم الحكم، طلعوا من المحكمة، وجمع كتير من الناس كانوا برة، بعضهم عارف القصة، وبعضهم سمع عنها، وكلهم كانوا بيسقفوا لهم، وبيدعوا لهم بالخير. سليم شاف مريم بتبكي من الفرحة، فقرب منها وقال أبوكي كان فخور بيكي أكتر من أي حاجة.
هي هزت راسها، ومسحت دموعها وأنا فخورة إني عرفت الحقيقة، وفخورة إني بقيت معاكم.
بعد كده، مرت شهور، والبيت اتغير تمامًا. سليم فتح كل الأبواب والشبابيك، سمح للخدم والحراس يعيشوا حياتهم طبيعية، وبدأ يخرج مع ندى كل يوم، يروحوا للجامعة لأنها كانت بدأت تدرس أدب عربي، ويلتقوا بأصدقائها، ويسافروا لمناطق كتير في مصر.
ندى كانت بدأت تعزف على العود، وصوتها كان حلو، وبدأت تشارك في حفلات صغيرة، وكل الناس كانت بتعجب بثقتها بنفسها وقوتها. ومريم فضلت معاهم، ساعدت سليم في إدارة أعماله، وبدأت تعلم مجموعة من الأطفال المعاقين بصريًا فنون الدفاع عن النفس، عشان يقدروا يواجهوا الحياة بثقة.
في ليلة صيف دافئة، كان الثلاثة قاعدين في الحديقة، يشربوا شاي، ويسمعوا صوت الضفادع والريحة اللي بتيجي من المزروعات. قالت ندى فجأة تعرفوا إيه أحسن حاجة حصلت لي؟
سألها سليم إيه يا حبيبتي؟
إنني عرفت إنني مش عاجزة، وإن الحب مش معناه إنك تفضل تحبس الشخص، وإن الحقيقة مهما طالت بتظهر في الآخر.
سليم ضحك، وضمهم الاتنين ليه وأنا أحسن حاجة حصلت لي إنني فهمت معنى الحب صح، وإنني وجدت أهلي الحقيقيين.
ومن بعيد، النجوم كانت بتلمع في السماء، والدنيا كانت هادية، والقلوب اللي كانت مجروحة ومخفية، بدأت تتنفس الحرية، وتعرف إن الخير مهما كان ضعيف، في الآخر هو اللي بيفوز.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *