الشغاله

سرك، واقرب الناس ليك، قبل ما يموت في حادثة غامضة من سبع سنين. عبد الرحمن.
سليم قام من مكانه فجأة، والكرسي وقع وراه بصوت عالي عبد الرحمن؟ أبو مريم؟
أيوه. عبد الرحمن كان عارف كل أسرارك، وكل تفاصيل أعمالك. لما مات، اختفت كل الأوراق اللي تثبت تهم الفساد والقتل اللي كان بيديرها منافسك القديم، كمال المنياوي. والكل قال إن عبد الرحمن هو اللي سرقها وهرب بيها. لكن الحقيقة… إن الورق ده وصل لبنته، وإنها هي اللي كانت بتدرب في البطولات عشان تجمع فلوس كفاية تثبت براءة أبوها.
سليم فضل ساكت دقايق طويلة، كل ذكريات السنين اللي فاتت بتروح وتجي في دماغه. عبد الرحمن كان صديق عمره، كان اللي بيساعده في كل خطوة، لحد ما جت الليلة اللي لقوه فيها ميت في سيارته، والسيارة محترقة، ومحفظته وكل أوراقه مش موجودة. سليم كان حاسس بذنب طول السنين، لأنه كان آخر واحد شافه، ولأنه كان عارف إن عبد الرحمن كان عنده مخاوف من كمال المنياوي، لكنه ما سمعش كلامه في الوقت ده.
قال بصوت واطي وعشان كده جت هنا؟ عشان تاخد بحق أبوها؟
ولا عشان كده بس. كمال المنياوي لسه بيدور على الأوراق، ولسه بيدور عليها. وعارف إنها عندها. وإنها جت هنا عشان تحمي نفسها، وتوصل للحق.
سليم بص للنافذة، المطر لسه بينزل بقوة، والظلام مالي الحديقة كلها وعلمت كل ده من امتى؟
من أول ما شفتها. لما جت تقدم على الشغل، شفت الندبة في رسغها، نفس الندبة اللي كانت في الصور القديمة. بحثت أكتر، وتأكدت. وحبيت أستنى لحد ما هي هي نفسها تظهر الحقيقة، مش عشان أضطرها.
سليم هز راسه بغضب من نفسه، من غبائه، من كل السنين اللي بناها
فيها أسوار حول قلبه وحول بنته وأنا كنت فاكرها مجرد شغالة هادية، مفيش منها ضرر. وطول الوقت هي اللي اقرب واحد لينا، وعارفة كل أسرارنا.
هي ما خانتك يا سليم. العكس تمامًا. هي عارفة إن كمال أول خطوة هيعملها لو عرف مكانها هيخطف ندى، عشان يضغط عليك وتسلمه الأوراق اللي انت كنت عندك نسخة منها، وتسلمه مريم نفسها. وعشان كده علمتها القتال. عشان لو حصل أي حاجة، تقدر تدافع عن نفسها، ومتبقاش نقطة ضعفك زي ما كل واحد فاكر.
سليم حس بالدموع بتجاهد تطلع، لكنه مسكها بكل قوته. هو طول عمره ما بكى، ولا قدام حد ولا لوحده. لكن اللحظة دي كانت مختلفة. هو كان حاطط كل خوفه وكل حبه في ندى، ونسى إن الحب مش معناه السجن، وإن الحماية مش معناها إنك تمنع الناس من إنهم يكونوا أقوياء.
قال لعادل روح شوف هي لسه في البيت ولا طلعت؟
عادل هز راسه من ساعة ما طلعت من مكتبك شفتها بتلم شنطتها. يمكن تكون مشيت دلوقتي.
سليم مشي بسرعة ناحية الباب، ناحية أوض الخدم، قلبه بيدق زي ما هو مكنش يدق في حياته كلها. لما وصل للباب، لقاه مفتوح شوية، والغرفة فاضية، والسرير مرتب، والشنطة اللي كانت بتلمها مش موجودة. بس على الكوميدانة الصغيرة، كان ورقة مطوية، ومكتوب عليها اسمه بخط واضح وقوي.
مسك الورقة وفتحها، وقرأ بصوت هادي
يا سليم بك،
أنا آسفة إني ما قلتلك الحقيقة من أول يوم. لكن ما كانش عندي خيار. كنت خايفة إنك تكرهني، أو تظن إنني جيت أضرك أو أضر بنتك. أبوها كان بيحبك أكتر من أخوه، وكان بيقوللي إنك الوحيد اللي تقدر ترجع الحق لصاحبه.
علمت ندى مش عشان أجعلها تقاتل حد، ولا عشان أعرضها للخطر. لكن عشان لو الخطر جالها، تلاقي إيدها تدفع عنها. هي مش عاجزة، وانت اللي خليتها تحس كده من كتر ما بتحاوطها.
الأوراق اللي تثبت براءة أبويا، وكل جرائم كمال المنياوي، موجودة في مكان آمن. مش هعرف أسلمها لك غير لما أتأكد إنك مستعد تواجه الحقيقة كلها، وإنك مستعد تحمي بنتك بالطريقة الصح، مش بالأسوار والحراس بس.
ندى قوية، وانت كمان لازم تكون قوي عشانها.
مريم.
سليم قفل الورقة، وحطها في جيبه، وبص للنافذة الصغيرة اللي بتشرف على الباب الرئيسي للفيلا. شاف ظهرها وهي ماشية في المطر، شنطتها الصغيرة على كتفها، ومشيتها واثقة، زي ما هي مش خايفة من أي حاجة قدامها. حس بغصة في حلقه، وعرف إن لو سابها تمشي دلوقتي، هيفقدها للأبد، ويفقد أمل في معرفة الحقيقة كلها، وفي إن ندى تقدر تعيش حياة طبيعية.
ركض ناحية السلم، ناحية باب الفيلا، وعادل كان وراه مستغرب. لما فتح الباب، المطر ضرب في وشه بقوة، وشافها لسه ماشية في نهاية الطريق الطويل اللي بيوصل للبوابة الخارجية. ناداها بصوت عالي، الصوت قطع صوت المطر
مريم! استني!
هي وقفت مكانها ببطء، ما لفتتش لورا على طول، بس سمعت صوته ووقفت. هو ركض ناحيتها، المطر غطى ملابسه كلها، ولما وصل قدامها، كانت عينيها مليانة دموع مخبية، وشعرها مبلول ومشدود على وشها.
قال بصوت لاهث عرفت كل حاجة. عرفت مين أنتِ، وعرفت ليه جيتي هنا.
هي بصتله بتركيز، ما نطقتش كلمة.
كمل هو، وكل كلمة بتطلع منه مجهود أنا آسف. آسف إني فهمتك غلط، وآسف إني عاملت بنتي كأنها شيء ملكي، مش إنسانة ليها حق تختار وتقوي نفسها. آسف عشان كل اللي مر بيكِ، وعشان ما قدرتش أساعد أبوكي في الوقت اللي كان محتاجني فيه.
لأول مرة شاف دمعة نزلت من عينها، وسالت على وشها المبلول أنت مش عارف أي حاجة يا سليم بك. مش عارف قد إيه كان صعب عليا أشوفك وأنا عارفة إنك بتكره اللي حصل لأبويا، وإنك بتعتبره خاين.
أنا ما كرهتهوش. كنت حاسس إني خاين ليه. لأني ما صدقتش كلامه لما قال إن كمال هو اللي بيخطط له، ولما وجدته ميت كنت عاجز عن إثبات الحقيقة.
قرب منها خطوة، المطر لسه بينزل، والدنيا كلها ساكتة غير صوت المطر ونفسهم ما تمشيش. أرجوكِ. ندى محتاجاكِ، وأنا كمان محتاجكِ. محتاجك تساعدني أرجع الحق لصاحبه، ومحتاجك تساعدني أعرف أعامل بنتي صح، وأعرف أكون أب يستاهلها.
هي سكتت شوية، وبصت للفيلا وراه، وبعدين بصت للطريق الطويل اللي كانت ماشية فيه، وبعدين رجعت بصتله لو بقيت… لازم توعدني بحاجتين.
أي حاجة. كل اللي تطلبه.
أولًا تفتح كل الأبواب والشبابيك اللي أغلقتها طول السنين دي. تسيب ندى تخرج، تتعرف على الناس، تعيش حياتها زي أي بنت في سنها. وتكون واثق فيها، مش خايف عليها لدرجة إنك تقتلها بالحب.
والتانية؟
التانية لما نكشف الحقيقة كلها، ونمسك كمال المنياوي، ومش هنقف عند حد. هنعرف مين ساعده، ومين سكت، ومين أذى أبويا وأذى ناس تانية كتير. ولازم تكون مستعد تواجه أي حاجة تطلع، حتى لو كانت من أهلك أو من اللي حواليك.
سليم هز راسه بجدية، ومد إيده يمسك إيدها، إيدها كانت باردة من المطر، لكنه مسكها بقوة ودفء أوعدكِ. كل اللي قلتِه هيعمل. وكل الحقوق اللي اتسرقت هترجع لصحابها، مهما كان الثمن.
هي ابتسمت خفيف، أول مرة يريح قلبه ابتسامة من ساعة ما ماتت مراته تمام. أنا بقيت.
وفجأة سمعوا صوت ندى من وراهم، لسه واقفة





