حكايات دهب ج١

الجزء الأول
ملك إبراهيم
ـ بقالك خمس سنين بعيد عن الصعيد يا ابن الهلالي… ادخل لعروستك جوه، مستنياك.
سليم وقف مكانه، بص للجد باستغراب: ـ عروستي مين يا جدي؟
الجد رفع عينه له بنظرة تقيلة: ـ دهب… بنت عمتك، اللي اتجوزتها قبل ما تسافر.
سليم فتح عينه بصدمة، صوته طلع متلخبط: ـ دهب؟!
بس يا جدي دهب لسه عيّلة صغيرة!
وأنا أصلاً جاي النهارده عشان أقولكم إني خطبت… دكتورة معايا في الجامعة.
ملامح الجد اتشدّت، وصوته بقى حاد: ـ بتخطب من ورانا يا ابن الهلالي؟
وبنت عمتك اللي مستنياك بقالها أربع سنين؟!
سليم حاول يهدي الدنيا: ـ يا جدي افهمني… دهب صغيرة ولسه قدامها عمر، وتقدر تتجوز أي حد غيري.
أنا عمري ما حبيتها بالشكل ده… أنا هطلقها، واتجوز البنت اللي بحبها.
الجد خبط عصايته في الأرض خَبطة قوية، صوتها دوّى في المكان: ـ معندناش بنات بتتطلق!
فاهم ولا لأ؟
انت هتاخد مراتك معاك دلوقتي، وتسافروا سوا على مصر…
والكلام الخايب ده، لا عايز أسمعه ولا يتفتح تاني.
سليم كان واقف ساكت، قلبه بيدق بعنف، مش مصدق اللي بيسمعه.
الجد لفّ وصوته علي: ـ بت يا رتيبة!
ست كبيرة طلعت من جوه: ـ نعم يا حج؟
ـ روحي لدهب، قولي لها تجهز شنطتها…
جوزها جاي ياخدها، ومسافر بيها.
سليم حس الدنيا بتلف حواليه…
خمس سنين غياب، رجع فيهم على حياة عمره ما اختارها.
—
سليم فضل واقف مكانه، الصدمة ماسكة فيه، وكل محاولة منه للكلام اتكسرت قدّام عناد جده اللي قفل أي باب للنقاش.
بعد شوية، شافها خارجة من أوضة جوه…
بنت لابسة إسود من فوق لتحت، طرحة سودة مغرّقة وشها ومخبيّة ملامحه، راسها في الأرض ولا كأنها شايفة اللي حواليها.
وراها على طول بنت من الخدم، شايلة شنطة صغيرة، حطتها بهدوء في شنطة العربية.
سليم كان متابع المشهد وهو حاسس إن صدره مقفول، لا قادر يتكلم ولا قادر يعترض.
ركب العربية بعصبية، قفل الباب وراه بعنف، وبعده بلحظات ركبت جنبه…
دهب.
ولا كلمة.
ولا نظرة.
العربية اتحركت، والصمت كان تقيل بينهم،
صمت مليان حاجات ما اتقالتش،
وحياة بتتفرض على الاتنين من غير ما حد فيهم يختار.
—
كانت لسه مخبّية وشها، وهو لحد اللحظة دي مش مستوعب إن الخمس سنين اللي غابهم عنها غيّروا كل حاجة…
دهب مبقتش الطفلة أم ضفاير اللي اتجوزها زمان، بس هو لسه شايفها بالصورة القديمة.





