الشغاله

عند باب الفيلا، ومسندة إيدها على الحائط عشان تحس بالطريق مريم؟ أنتِ مش ماشية؟
مريم سحبت إيدها من سليم ببطء، ومشيت ناحيتها بسرعة، لما وصلت قربت منها ومسكت إيدها لأ يا حبيبتي. مش ماشية. بقيت معاكِ.
ندى ضحكت، وضمتها بقوة، ودموع الفرحة نزلت من عينيها شكرًا. شكرًا كتير.
سليم وقف وراهم، وبص لهم، وحس إن السنين اللي كانت تقيلة على قلبه بدأت تتروح، وإن النور بدأ يدخل للسجن اللي كان حابس فيه نفسه وبنته. لكنه كان عارف إن ده مجرد بداية، وإن الطريق قدامهم مليان مخاطر، وإن كمال المنياوي مش هيسكت، وإن الأسرار اللي لسه مخبية هتكون أثقل وأكبر من أي حاجة تخيلها.
الفصل التاني الأسرار القديمة والخطر القادم
تاني يوم الصبح، الشمس طلعت دافئة، ومطر الليل راح وبقى ريحة التراب والشجر مليانة الحديقة. سليم صحى بدري، وطلع للحديقة لقى ندى ومريم قاعدين على المقعد الخشبي الكبير جنب النافورة، وبيناقشوا في حاجة بصوت هادي. لما سمعت ندى خطواته، لفت ناحيته وابتسمت صباح الخير يا بابا.
قال وهو بيقرب منهم صباح النور يا روحي. صباح الخير يا مريم.
مريم وقفت عشان تسيب له مكان، لكنه أشار عليها تفضل قاعدة اقعدي. كنتوا بتتكلموا في إيه؟
قالت ندى بفرحة مريم بتقوليلي إن النهارده هنخرج نروح الحديقة العامة. قالتلي لازم أتعرف أتحرك في الأماكن المزدحمة، عشان ما أكونش خايفة.
سليم اتردد شوية، كان قلبه بيدق من الخوف إن أي حاجة تحصل لها، لكنه تذكر وعده لمريم، وتذكر كلامها عن الحب والسجن. قال بابتسامة خفيفة موافق. بس خلي الحرس بعيد شوية، عشان ما يزعجوكِ، لكن يبقوا قريبين لو احتجتِ أي حاجة.
ندى قامت وقفت، ومدت إيدها ناحيته، لما مسكها قالت بجدية

متخافش يا بابا. أنا مع مريم، ومش هسمح لأي حاجة تضرني.
هو بصلها، وشاف الثقة في وشها، الثقة اللي كانت مفقودة من سنين، وحس بالفخر بيها أكتر من أي وقت مضى.
بعد ما مشت ندى عشان تجهز نفسها، فضل سليم ومريم لوحدهم. قال لها بهدوء عادل قالي إن كمال المنياوي عارف إن الأوراق عندك. وعارف إنك جيتي هنا.
مريم هزت راسها عارف. من أول ما وصلت للقاهرة كان بيجيبلي رسائل، تهديدات، طلبات. لكنه مش عارف مكاني بالظبط لحد دلوقتي. هو عارف إنني في مكان آمن، بس مش عارف إنه بيتك.
وإيه اللي يخليه متأكد إنك عندك الأوراق؟
لما مات أبويا، كان بعتلي رسالة قصيرة على هاتف قديم، قال فيها الصندوق اللي في مكان لقيتنا فيه أول مرة هو الدليل كله. ومكان ده محدش يعرفه غيري وغيره.
وإيه اللي في الصندوق؟
تسجيلات صوتية، وفواتير، وأسماء ناس كتير في مناصب عالية شاركوه في كل حاجة. لو طلعت للنور، هتقلب الدنيا فوق بعضها.
سليم سكت شوية، وبعدين قال أنا خايف يكون ليه عيون جوا بيتي. الحراس، الخدم، أي حد ممكن يكون مأجور منه.
وده سبب تاني عشان نخرج ندى من هنا. لو فضلت قاعدة جوا الأبواب المقفولة، هيبقى هدف سهل. لو تعودت تخرج وتتحرك، هيبقى صعب عليه يخطط لشيء.
في نفس الوقت، في فيلا تانية في أطراف القاهرة، كمال المنياوي كان قاعد على كرسيه الجلدي الكبير، قدامه واحد من رجالته، وشكله متوتر وخايف. قال كمال بصوت بارد يعني مش عارفين فين البنت ولا الأوراق؟ من عشر سنين بتدوروا ومش قادرين توصلوا لشيء؟
رد الراجل بصوت مرتعش سيادتك، بحثنا في كل مكان، كل الأصدقاء، كل الأقارب، كل الأماكن اللي كانت بتروحها. ولا أثر.
كمال قام ببطء، ومشى ناحية الشباك عبد الرحمن كان قريب من سليم الجارحي أكتر من أي حد. فطبيعي إن بنته تكون راحت له. وطبيعي إنها تكون عنده دلوقتي.
نروح نفتش فيلا سليم؟
كمال ضحك بسخرية تفتش؟ سليم ده مش أي حد. لو عملت حركة غبية زي دي، هتقلب الدنيا عليا كلها، وكل اللي بنيناه سنين هيتدمر في دقيقة. لازم نلاقي طريقة تانية. نضغط عليه من ناحية تانية. نعرفه إننا وصلنا للنقطة الضعيفة بتاعته.
وغمض عينيه وابتسم بشر ندى.
بعد الظهر، خرج سليم وندى ومريم للحديقة العامة، واتبعهم عادل واتنين من الحراس بعيد شوية عشان ما يلاحظوهم. أول ما دخلت ندى الحديقة، وقفت مكانها، وشممت الهوا، وابتسمت بفرحة ريحة زهور كتير. وصوت عصافير. والناس بتضحك.
مريم مسكت إيدها تعالي أوريكِ الأماكن.
مشوا مع بعض، ندى كانت بتستكشف كل حاجة بإيديها، بتحس بملمس الشجر، بتروح لصوت الميه في البرك الصغيرة، بتتكلم مع الأطفال اللي كانوا بيلعبوا، والابتسامة ما فارقت وشها ولا لحظة. سليم كان واقف بعيد شوية، بيشوفها، وحس إنه عايش حلم ما كانش يتمنى يتحقق.
وفجأة، لاحظ عادل راجل غريب واقف بعيد، بيبص لندى بتركيز، وكل ما تحرك ندى يتحرك وراها. راح بسرعة لسليم وقاله بصوت واطي في واحد بيتتبعنا. مش عارف مين، لكن نظراته مش مريحة.
سليم شاور لمريم، فهمت الإشارة على طول، وقالت لندى يا حبيبتي، تعالي نروح نجلس في المكان اللي جنب النخيل ده، أريح شوية.
وبينما هي ماشية، لاحظت هي كمان صوت خطوات غريبة وراهم، مش خطوات الحراس، مش خطوات الناس العاديين. وقفت فجأة، وقالت بصوت هادي في حد ورانا بيتتبعنا.
سليم بص لمريم بدهشة، قالت مريم هي بتسمع حاجات مش بنسمعها. حاسة بالخطر أكتر مننا.
الراجل الغريب لما لاحظ إنهم شافوه، حاول يهرب، لكن عادل والحراس لحقوه وقبضوا عليه بسرعة، وجابوه قدام سليم. كان راجل عادي، لابس ملابس شعبية، وشكله متوتر جداً.
قال سليم بصوت يخوف مين؟ ومين بعتك؟
الراجل حاول ينكر، لكن لما شاف نظرات سليم، خاف وقال محدش بعتني. أنا بس كنت…
قاطعته مريم كمال المنياوي بعتك، صح؟ قالك تعرف مكان الفتاة الكفيفة، وتعرف كل خطواتها، وتبلغه بكل حاجة؟
الراجل اتفتحت عينيه من الصدمة، وعرف إن مفيش فايدة في الكذب، فاعترف أيوه. قاللي إنها مهمة سهلة، وإنها بتمشي مع شغالة وابوها، وإن المهم أبلغه بكل مكان تروحه. وقاللي لو عملت كده هيديني فلوس كتير، ولو ما عملتش هيقتل عيلتي.
سليم قبض إيده بقوة، عروق رقبته برزت من الغضب وقالك أي حاجة تانية؟
قاللي إنك هتضطر تسلمه الأوراق والبنت لو حصل أي حاجة لبنته.
سليم أشار للحراس اخدوه. خليه في المكان الآمن لحد ما نعرف كل حاجة تانية.
بعد ما مشوا، راح سليم لندى اللي كانت واقفة مستنية أنتِ كويسة يا روحي؟
أنا كويسة يا بابا. هو كان عايز يضرني؟
لا يا حبيبتي. مش هيسمح لحد يضرك أبدًا.
مريم قالت ده بداية بس. كمال مش هيسكت، وهيرسل ناس تانية، وبيخطط لحاجات أكتر خطورة.
إذن لازم نسرع. لازم نروح نحضر الأوراق، ونواجهه بالحقيقة.
المكان اللي فيه الأوراق بعيد، في منطقة جبلية في الفيوم، ومحدش يعرفه غيري. ولازم نروح هناك قبل ما هو يوصل لحد يعرف المكان.
هنروح بكره الصبح. هناخد معانا عادل، ومش هنقول لحد حاجة، عشان مفيش تسريب للخبر.
ندى مسكت إيدهم الاتنين وأنا جاية معاكم.
سليم كان عايز يعترض، لكن شاف نظرة مريم اللي بتقوله وعدتها، فقال تمام. بس تسمعي الكلام جيدًا، ومش تبتعدي عني ولا عن مريم أبدًا.
هي ضحكت بفرحة أكيد يا بابا.
الفصل التالت الماضي اللي رجع

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *