سيف وليان الجزء الثاني الاخير بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

الجزء الأخير سيف وليان بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
​وقفت ليان في منتصف المسافة بين كريم وسيف. كانت عيناها تتنقلان بين نظرات كريم المنتظرة المبتسمة، وبين هيئة سيف المتصلبة كالصخر، والذي كان يحاول بذل أقصى ما لديه ليبدو هادئًا وغير مبالٍ، بينما عيناه المشتعلتان تحكيان قصص أخرى تمامًا.
​ابتلعت ليان ريقها، وحاولت استرجاع شتات نفسها وهي تنظر لكريم:
– كريم… إنت بتتكلم بجد؟
​– أيوة يا ليان. أنا عارف إن المقابلة كانت صدفة، بس أنا من زمان كنت مستني الفرصة المناسبة… وأتمنى يديني والدك الميعاد اللي أجي فيه.
​في تلك اللحظة، التفتت ليان دون وعي لتنظر إلى سيف. كان يقف واضعًا يديه في جيبي جلبابه، وفكه مشدود بقوة، يحاول تجنب النظر إليها مباشرة وكأنه ينتظر حكم الإعدام.
​قالت ليان بتمهل ونبرة هادئة لكنها حاسمة:
– كريم… إنت زميل عزيز وصديق من أيام الجامعة، وأنا بحترمك جدًا… بس أنا حاليًا مش بفكر في الخطوة دي أصلًا. ومظنش إن المكان أو التوقيت مناسبين للحديث في موضوع زي ده.
​اتسعت عيوب كريم بدهشة:
– بس يا ليان…
​قاطعته برفق لكن بقوة:
– عن إذنكم… ماما بتناديني.
​تركتهم واستدارت لتمشي بخطوات سريعة. وفي لحظة مرورها بجوار سيف، رفعت رأسها ونظرت في عينيه لكسر من الثانية… كانت نظرة مليئة بالتحدي والوضوح، وكأنها تقول له: “أنا أرفض بشروطي، لا بشروطك”.
​ابتسم سيف ابتسامة خفيفة جدًا لا تكاد تُرى، وزفر نَفَسًا طويلاً كان يحبسه في صدره. ثم التفت لكريم وقال ببرود صعيدي متقن:
– أعتقد سمعت الإجابة بنفسك… والواجب يقول إن الضيف يحترم رغبة أهل البيت.
​انصرف كريم وهو يعصر غيظه، بينما وقف سيف يراقب أثر خطوات ليان وهي تبتعد.
​في وقت لاحق من نفس الليلة
​كانت القرية قد نامت تقريبًا، والهدوء يخيم على المكان إلا من صوت صرار الليل. خرجت ليان إلى الشرفة لتستنشق الهواء العليل بعد هذا اليوم الحافل والموتر.
​وفجأة، سمعت صوت وقع أقدام هادئة في الأسفل.
تطلعت للمكان، فوجدت سيف واقفًا تحت الشرفة مباشرة، يسند ظهره إلى جذع شجرة النخل القريبة، ويدخن سيجارته بهدوء لم تره عليه من قبل.
​– إنت مبتنامش؟ (قالتها بصوت خفيض كي لا يسمعها أحد).
​رفع سيف رأسه، وأطفأ السيجرة فورًا تحت قدمه.
– مستني أتطمن إن الطريق أمان.
​– الطريق أمان، ولا إنت اللي خايف تمشي؟
​ابتسم سيف وخطا خطوة للداخل ليصبح تحت شباكها تمامًا:
– أنا مخفش يا بنت المدينة… بس كنت مستني أسمع منك إجابة السؤال اللي مقدرتيش تجاوبيه الصبح.
​ضيقت عينيها:
– سؤال إيه؟
​– رفضتي كريم ليه؟ عشان مش جاهزة… ولا عشان حد تاني قفل الباب ده من بدري؟
​توقف نبض ليان للحظة، ثم رفعت ذقنها بكبرياء:
– مش من حقك تسأل.
​رد سيف بنبرة هادئة ودافئة أذابت كل مستويات الدفاع لديها:
– من حقي يا ليان… من أول دقيقة طلبتِ فيها مني أزيح العربية من نص الطريق.
​سكتت ليان، ولم تجد كلمة واحدة ترد بها، بينما استدار سيف ليمشي وهو يقول بصوت مسموع:
– تصبحي على خير يا جارتي العزيزة… وبكرة لينا كلام تاني مع أوراق الأرض.
دخل سيف البيت الكبير بخطوات ثابتة، والهدوء يسبقه، لكن ملامحه الحادة كانت تشي بعاصفة وشيكة. كان المجلس الخالي إلا من الجد كبار الهوارية وعمه والد مريم، يضفي على المكان هيبة وثقلاً.
​وقف سيف منتصب القامة وسط القاعة، ورفع رأسه لجدّه الجالس على رأس المجلس ممسكًا بعصاه الأبنوسية.
​– يا حاج… أنا جيت بلّغك بقرار أخدته، ومش هراجع نفسي فيه.
​رفع الجد عينيه النافذتين، وساد الصمت ثواني معدودة قبل أن يجيب بنبرة وقورة:
– قول يا سيف… من متى كُنت بتاخد قرار من غير ما ترجعلي؟
​– من النهارده يا جدّي… أنا ناوي أخطب ليان بنت ناصر.
​انتفض العم واقفًا، بينما ضرب الجد بعصاه على الأرض ضربة واحدة هزت أرجاء المكان، وصاح بصوت حازم:
– إيه اللي بتقوله ده يا سيف؟! بنت الناس اللي بينّا وبينهم دم وأرض؟! بنت المدينة اللي عايزة تاخد حدّنا؟!
​رد سيف بهدوء أشدّ خطورة من العاصفة، وخطا خطوة قريبة من جدّه:
– الأرض والحدود هترجع لأصحابها بحق الله بالقانون والأوراق، واللي بينّا وبينهم مش دم ولا عداوة يا جدّي… ده كان سوء فهم، وأنا مش هسيب مستقبلي يتدفن تحت تراب الأوهام دي.
​تدخل العم بغضب:
– والناس؟ والبلد؟ هتقول إيه لما كبير عيلة الهواري يتجوز بنت الغريب اللي جاية تنازعنا في أرضنا؟
​التفت بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد. سيف لعمه بنظرة صارمة:
– سيف الهواري محدش يتكلم عن اختياراته يا عمي! ليان من النهارده تحت حمايتي، وقبل ما تكون جارتنا هي مراتي المستقبلية… والكلمة دي مش هترجع لويدها.
​وقف الجد بصعوبة، متكئًا على عصاه، وثبت عينيه في عيني سيف المتحدية. رأى فيه نفس القسوة والعناد اللذين يملكهما هو، ورأى لأول مرة نبرة رجاء وتصميم لم يعهدها في حفيظه الأقرب لقلبه.
​– لو دخلت البيت ده يا سيف… هتعرف إنك بتفتح باب مش هتقدر تقفله مع العيلة كلها.
​رد سيف بابتسامة وثبات:
– أنا الباب ده فتحته بيدي يا جدّي… وجاي أستأذنك تبارك الخطوة، مش عشان أطلب إذنك فيها.
​أنهى سيف كلماته واستدار مغادرًا المجلس بخطوات واثقة، تاركًا خلفه عاصفة من الذهول والتفكير، متهمًا الطريق فورًا نحو بيت ليان، ليضعها أمام الواقع الذي صنعه بنفسه من أجلها.لم تمضِ سوى ساعات قليلة على حديث سيف مع جده، حتى كان الخبر قد انتشر في أرجاء القرية كالنار في الهشيم.
​وصل الخبر إلى مسامع ناصر، والد ليان، وهو يجلس في صالة بيته يراجع أوراق الملكية القديمة. انقبض وجهه، ودفع الأوراق جانباً بقوة، متجهاً مباشرة إلى بيت الهواري دون أن ينتظر استدعاءً من أحد.
​في الوقت نفسه، كانت ليان تقف بجوار النافذة، تحاول فهم الحركة غير العادية في الفناء الخارجي، حتى رأت والدها يدخل المضيفة الكبرى لعائلة الهواري بخطوات مشدودة وملامح يكسوها الغضب.
​المواجهة في المضيفة الكبرى
​كان الجد يجلس مع كبار العائلة وسيف إلى جواره، حين اقتحم ناصر المضيفة، ووقف في المنتصف بصوت ينبض بالكبرياء:
– يا حاج عبد العظيم… إحنا جينا هنا نطلب حقنا في الأرض بالورق والقانون، مش عشان يتلمّح لبنتي أو تتاخد وسيلة لحل نزاع قديم!
​وقف سيف فوراً، وحاول التحدث بنبرة هادئة احتراماً لسن والدها:
– يا عم ناصر، اسمعني…
​قاطعه ناصر برفعة يد حاسمة ونظرة حادة:
– تتكلم لما أخلص كلامي يا سيف! بنتي مش جائزة صلح، ولا هي الطرف الضعيف اللي تفرضوا عليه حمايتكم أو تقرروا نيابة عنه. ليان بنت ناس، وكرامتها قبل أي أرض وقبل أي اسم في الصعيد كله!
​ساد الصمت المضيفة، وتطلّع الجد إلى ناصر بثبات، ثم أشار لعصاه ليجلس الجميع، وقال بصوت وقور:
– قعد يا ناصر… الهوارية عمرهم ما استضعفوا حد، ولا بنتك رخيصة عندنا عشان تتقال في حقها الكلمة دي. سيف لما اتكلم، اتكلم برغبة راجل عايز يستسمحك ويطلب يد بنتك على سنة الله ورسوله، مش بفرض أمر واقع.
​التفت ناصر إلى سيف مستنكراً:
– يطلبها؟! بعد المشاكل والتهديدات اللي ظهرت من أول يوم قدمنا فيه هنا؟ بعد ما بقى وجودها ارتبط بإنها “بنت المدينة” اللي دخلت تعمل قلق بين العيلتين؟
​خطا سيف خطوة نحو ناصر، وأردف بنبرة صادقة خالية من الاستفزاز لأول مرة:
– اللي حصل من تهديدات وأرض، ده شغلي أنا وهجيب حقه وبطلي الشغلة دي كائن من كان. أما بالنسبة لـ ليان… فأنا مقولتش كلمتي عشان أحل أزمة أرض يا عم ناصر. أنا حطيت نفسي قدام عيلتي كلها عشانها هي بالذات، والقرار الأول والأخير ليكم وليها، من غير أي ضغط.
​رد فعل ليان وحسم الموقف
​في هذه اللحظة، كانت ليان قد دخلت مدخل المضيفة برفقة والدتها بعد أن شعرت بتصاعد الموقف. وقفت عند الباب، وتلاقت عينها بعيني سيف اللتين كانتا تنطقان بإصرار لم تره فيه من قبل.
​التفت ناصر إلى بنته وقرأ في عينيها الارتباك والمزيج بين الكبرياء والتردد، فقال بصوت حاسم أمام الجميع:
– إحنا أوراقنا هتوصل للمحكمة، والحدود هترجع لأصحابها. وقبل ما يتقفل ملف الأرض، مفيش كلام هيتقال في أي موضوع تاني… والراجل اللي عايز بنتي بجد، يستنى لما ترفع رأسها في أرضها بحقها الكامل، مش تحت حماية حد!
​نظر سيف إلى ناصر، ثم أدار بصره إلى ليان، وابتسم بطرف فمه بابتسامة تقبل التحدي:
– وأنا مستني يا عم ناصر… الأرض هترجع، والورق هيثبت حقكم، وساعتها هاجي أطلبها تاني، وأمام البلد كلها.
​خرج ناصر ومعه ليان التي التفتت لثوانٍ قبل أن تغادر، لتجد سيف يتابعها بنظرة وثيقة تُعلن أن المواجهة الحقيقية قد بدأت للتو.
بعد انقضاء المساء وهدوء العاصفة التي شهدتها المضيفة، خرجت ليان إلى الحديقة الخلفية المتاخمة للحد الفاصل بين البيتين. كانت النجوم تملأ السماء، والجو يحمل برودة خفيفة.
​وقفت ليان تسند ذراعيها على السور الخشبي القصير، تحاول استيعاب ما جرى، حين سمعت وقع خطوات هادئة وراءها، ثم وقف سيف على الطرف الآخر من السور.
​ساد الصمت بينهما لثوانٍ، قبل أن تبدأ ليان بصوت خفيض يحمل خليطًا من العتاب والدهشة:
​– إنت إزاي تعمل كده يا سيف؟ إزاي تحطني وتحط نفسك في الموقف ده قدام العيلتين؟
​نظر إليها سيف بهدوء لم يعتد عليه منها، ثم قال بنبرة خالية من الاستفزاز:
​– الموقف ده كان لازم يحصل من زمان يا ليان. كان لازم الكل يعرف إن وجودك هنا مش مجرد مشكلة أرض، وإنك مش طرف في خناقة قديمة.
​– بس أنا مش جائزة! بابا عنده حق… إنت طلبتني قدامهم كأنك بتحل أزمة، أو كأنك بتفرض حمايتك عليا!
​اقترب سيف خطوة حتى أصبح يفصله عنها السور فقط، وقال بصوت دافئ وثابت: بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
​– أبوكي راجل سيد العارفين، وأنا احترمت كلامه ووقفت قدامه إجلالاً له. بس إنتي عارفة كويس يا بنت المدينة إن سيف الهواري عمره ما يطلب واحدة عشان “يحل أزمة”… أنا طلبتك عشانك إنتي.
​توقفت ليان عن الكلام، واضطربت أنفاسها وهي تنظر في عينيه. حاول استرجاع قناع العناد، فقالت:
​– وأنا ما وافقتش… ولا وقفت قدامهم وقلت إن موافقة!
​ابتسم سيف بطرف فمه، وتراجعت حِدّة ملامحه:
​– عارف… وعارف إن لسانك مش هيسكت بسهولة. بس نظرتك قبل ما تطلعي من المضيفة قالت لي إنك فاهمة كل كلمة.
​– دي ثقة زيادة عن اللزوم تاني!
​– دي مش ثقة… دي حقيقة.
​سكتت ليان للحظات، ثم سالته بنبرة أكثر هدوءًا وشوبها القلق:
​– وموضوع الأرض والتهديدات؟ هتسيبه كده؟
​– أوراق الأرض هتتحسم بالقانون، وحق أبوكي هيرجعله لحد عنده قبل ما أخطو خطوة واحدة ناحية بيتكوا تاني… أما اللي بيحاول يلعب في الضلام ويولع الفتنة، فحسابه معايا أنا شخصيًا، وما بقاش سيف الهواري لو ما جبتوش تحت رجليكي.
​نظرت له ليان، ولأول مرة لم تجد في كلامه أي غرور، بل سندًا حقيقيًا وشجاعة جعلت قلبها يدق بوضوح.
​قالت بصوت خفيض:
​– إنت صعب أوي يا سيف.
​رد بابتسامة واسعة، أضاءت ملامحه الحادة في الظلام:
​– وانتي عنيدة أوي يا ليان… بس شكله العناد ده هو اللي هيجنني غصب عني.
​التفت ليمشي، ثم توقف وقال دون أن يلتفت:
​– تصبحي على خير يا جارتي… والماتش لسه ما خلصش.
​ابتسمت ليان رغمًا عنها، وتابعت أثره وهو يبتعد في الظلام، متأكدة أن كل حواجز العناد بينهما بدأت تتهاوى بالفعل.
مرت الأيام القليلة التالية متسارعة، لكنها كانت محملة بهدوء يسبق العاصفة.
​في صباح اليوم التالي، كان سيف يقف في وسط أرضه الخضراء رفقة رجاله وأحد كبار موظفي المساحة والتسجيل العقاري القادمين من المدينة، ومعهم ناصر والد ليان. كانت الخرائط القديمة مفرودة على كبوت السيارة، وسيف يشير بسبابته بثقة إلى الحدود التي رسمتها أوراق ناصر الرسمية.
​– الحد هنا يا فندم… من أول السدرة العتيقة دي لحد حدود المصرف. حق عم ناصر لا يُنقص منه شبر واحد.
​نظر ناصر إلى سيف بنظرة امتنان وقار استطاع سيف أن يلمحها خلف ملامح الرجل الصارمة. هز ناصر رأسه وقال:
– الأصول أصل يا سيف، وده ظني فيك.
​في هذه اللحظة، ظهر منصور يركض من ناحية الأشجار الكثيفة المتاخمة للحدود، وعلى وجهه علامات التوتر، واقترب من سيف وهمس في أذنه:
– سيف… لقينا اللي كان بيسرب التهديدات وبيلعب في السور بالليل.
​تغيرت ملامح سيف فورًا واستقرت عينان كالجمر، ثم التفت لناصر بوقار:
– عم ناصر… حقك في الأرض ثبت بالقانون والشرع، وعقد الحدود يتوقع بكرة. استأذنك في المشوار ده، عشان فيه حساب قديم لازم يتقفل.
​سار سيف بخطوات حثيثة خلف منصور نحو مخزن قديم على أطراف القرية. هناك، كان يقف شاب من عمال القرية محاطًا برجال الهواري، وجهه يقطر عرقًا وركبه ترتجف.
​اقترب سيف منه بخطوات بطيئة، نبرة صوته جاءت أشد خطورة من غضبه المباشر:
– مين اللي زقك يا عبد الله؟ مين اللي أدالك الفلوس عشان تخلع السور وتكتب الورقة اللي راحت لبيت عم ناصر؟
​ارتجف الفتى وصاح بذعر:
– والنعمة يا سيف بيه أنا ماليا صالح! ده “عوض” المحامي بتاع البلد… هو اللي قالي العيلتين لو اتصالحوا وباعوا الأرض، سبوبة كبيرة هتروح عليه، وهو اللي كان عايز يشتريها بتراب الفلوس بعد ما يولّع الدنيا بينكم!
​ساد الصمت، وتجلت الحقيقة جليّة أمام الجميع؛ لم تكن الفتنة سوى طمع شخصي استغل الخلاف القديم.
​التفت سيف لمنصور وقال بصوت حاسم:
– تاخده على القسم فورًا بالدليل والورق… “عوض” ده يبات بكرة في السجن، والبلد كلها تعرف الحقيقة.
​في المساء، كانت أضواء بيت الهواري وبيت ناصر مشتعلة، لكن هذه المرة بروح مختلفة تمامًا.
​خرجت ليان إلى الشرفة تستنشق الهواء بعدما علمت بكل ما جرى في النهار، وكيف أن سيف أنهى نزاع السنين وأعاد الحق لأصحابها وكشف الفاعل بنفسه في يوم واحد.
​كان سيف يقف أسفل الشرفة، لابسًا جلبابه الأبيض الناصع، ينظر إليها وبطرف فمه ابتسامة نصر واضحة.
​– أوراق الأرض اتسجلت يا بنت المدينة… والتهديدات انتهت.
​رفعت ليان رأسها بثبات، لكن عينيها كانتا تلمعان ببريق دافئ:
– وعارفة كمان إنك جاد في كلامك يا سيف… شكراً.
​خطا سيف خطوة للأمام حتى أصبح تحت نور الشرفة مباشرة وقال بصوت دافئ نابع من القلب:
– الشكر مش بالكلام يا ليان… أنا نفذت شرط أبوكي، بكرة الصبح هاجي أدخل البيت من بابه، وهطلبك قدام البلد كلها.
​ابتسمت ليان ابتسامة هادئة أذابت كل رواسب العناد القديم، ورفعت كوب القهوة في يدها نحوه كما فعلت في أول يوم:
– وأنا والبيت في انتظارك يا جار.
​تطلع سيف إليها طويلًا، مدركًا أن الرحلة التي بدأت بعطل سيارة على طريق ترابي مهجور، قد وصلت أخيرًا إلى بدايتها الحقيقية.في أرجاء البلدة، انطلقت الزغاريد من منزل ناصر لتعبر الحدود الفاصلة وتتلاقى مع أصوات أعيرة الناريّة الابتهاجية التي أطلقها رجال الهواري في الهواء؛ إعلانًا عن فرحة لم تشهدها القرية منذ سنوات.
​كانت الساحة الواسعة بين البيتين قد زُينت بالمصابيح الملونة والسجاد المنسوج يدويًا. جلس الحاج عبد العظيم على رأس المجلس وبجواره ناصر، يتبادلان أطراف الحديث بابتسامات وقار بعد أن انطوت صفحة الخلاف القديم إلى الأبد.
​خرجت ليان بخطوات خجولة وهادئة، ترتدي فستانًا أسود بسيطًا وأنيقًا يُبرز رقتها، ومحتشمًا يتماشى مع هيبة المكان. ساد الهدوء لثوانٍ بين الحضور، وارتفعت نظرات الأعجاب نحوها، بينما كانت عيناها تبحثان عن شخص واحد فقط.
​كان سيف يقف عند مدخل المضيفة، حاملاً صينية “الشربات” بيده ليرحب بالضيوف بنفسه. عندما وقعت عينُه عليها، توقف لفرضة، ولأول مرة غابت الصرامة تمامًا عن ملامحه بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد. الصعيدية الحادة، ليحل محلها دفء شديد وابتسامة صادقة نابعة من أعمق نقطة في قلبه.
​اقترب سيف بخطوات واثقة، ووقف أمامها مباشرة ودون أن يرفع عينيه عنها، قدم لها الكأس وقال بنبرة خفيضة لم يسمعها أحد غيرهما:
– مبروك يا بنت المدينة… أخيرًا الأرض رضيت، والجار بيجي بيتك بعين مكسورة من جمالك.
​رفعت ليان رأسها، والتقت عيناها بعينيه بثبات أذاب كل ما تبقى من كبرياء بينهما، وقالت وهي تأخذ الكأس من يده:
– المرة دي مش هقولك الماتش مخلصش يا سيف… المرة دي هقولك الله يبارك فيك يا ابن الهواري.
​ضحك سيف بصوت خفيف أسعد كل الحاضرين، واستدار نحو الجلسة ليرفع كأسه أمام جده وعم ناصر، معلنًا بداية فصل جديد لا مكان فيه للخصام، فصلٌ يكتبه العناد الذي تحوّل إلى حبٍ أثبت أصالته أمام البلدة كلها.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *